عودة إلى نظرية انحدار الغرب
شلومو بن عامي   |   13-02-2012


 
"إن الغرب يواجه تحديات خطيرة ــ كحاله دوما. ولكن قيم الحرية والكرامة الإنسانية التي تحرك الحضارة الغربية تظل تشكل حلماً يراود الغالبية العظمى من البشر"

 
 
شلومو بن عامي
 

منذ نشر المجلد الأول من كتاب أوزوالد شبنجلر "انحدار الغرب" في عام 1918، كانت النبوءات حول الدمار المحقق لما أطلق عليه وصف "الحضارة الشيطانية" موضوع نقاش على نحو متكرر بين المفكرين وعامة المثقفين. والواقع أن الأزمات الحالية في الولايات المتحدة وأوروبا ــ الناتجة في المقام الأول عن الإخفاقات الأخلاقية المتأصلة في رأسمالية الولايات المتحدة، والخلل الوظيفي في أوروبا ــ قد يُنظَر إليها وكأنها تضفي المصداقية على رؤية شبنجلر فيما يتصل بقصور الديمقراطية، ورفضه للحضارة الغربية التي تحركها شهوة المال الفاسدة.


ولكن مذهب الحتمية في التاريخ كان يلقى الهزيمة تلو الهزيمة بفعل قوى الإرادة الإنسانية التي لا يمكن التنبؤ بها، وفي حالتنا هذه بفعل القدرة غير العادية التي يتمتع بها الغرب على تجديد نفسه، حتى بعد الهزائم الساحقة. صحيح أن الغرب لم يعد قادراً على الانفراد بإملاء الأجندة العالمية، وصحيح أن قيمه من المحتم أن تكون عُرضة للتحديات على نحو متزايد من قِبَل القوى الناشئة، ولكن انحداره ليس عملية خطية متصلة لا رجعة فيها.


لا شك أن تفوق الغرب العسكري والاقتصادي كان في تضاؤل شديد في الآونة الأخيرة. ففي عام 2000، كان حجم الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ثمانية أمثال حجم نظيره الصيني؛ واليوم أصبح ضعفه فقط. والأسوأ من هذا أن بعض العوامل، مثل التفاوت المروع في الدخول، والطبقة المتوسطة المتقلصة، ودلائل الهفوات الأخلاقية الواسعة الانتشار والإفلات من العقاب، تعمل على تغذية الاستياء إلى حد خطير من الديمقراطية والفقدان المتزايد للثقة في النظام الذي خان الحلم الأمريكي المتمثل في التقدم المستمر والنماء.


ولكن هذه لن تكون المرة الأولى التي تكون فيها الغَلَبة للقيم الأمريكية على تهديد الشعبوية في أوقات الأزمات الاقتصادية. فذات يوم ظهر شكل من أشكال الأجندة الفاشية في أمريكا، عندما شن الأب تشارلز كافلين هجوماً شعبوياً في ثلاثينيات القرن العشرين على "تحالف فرانكلين روزفلت مع المصرفيين". وفي نهاية المطاف لحقت الهزيمة باتحاد كافلين الوطني من أجل العدالة الاجتماعية، والذي بلغت عضويته الملايين، بفِعل الأجسام المضادة الديمقراطية القوية التي يتمتع بها النظام الأمريكي.


أما عن أوروبا، فقد كشفت أزمة منطقة اليورو عن نقاط الضعف التي تعيب الديمقراطية في التعامل مع حالات الطوارئ الاقتصادية الكبرى، فضلاً عن العيوب التي تشوب تصميم الاتحاد الأوروبي. ففي اليونان وإيطاليا، تولت حكومات تكنوقراطية السلطة من بعد ساسة فاشلين. وفي المجر، مارَس رئيس الوزراء فيكتور أوربان الضغوط في محاولة "لإعادة تأسيس الدولة" على مبادئ سلطوية. والواقع أن مثل هذه الحالات تشير إلى عودة الماضي الأوروبي حيث أفسحت إخفاقات الديمقراطية الطريق أمام أشكال أكثر "انسجاما" من الحكم.


رغم هذا، وفي حين لا تزال أوروبا تشكل علامة استفهام، عادت إلى أمريكا القدرة على تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، ولو بمستويات ضعيفة. وحتى لو أصبحت الصين صاحبة أضخم اقتصاد على مستوى العالم، ولنقل في عام 2018، فسوف يظل الأمريكيون أكثر ثراءً من الصينيين، لأن نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي سوف يظل أربعة أمثال نظيره في الصين.


لا شك أن التفاوت في الدخول والظلم الاجتماعي من المظاهر اللصيقة بالثقافة الرأسمالية في مختلف أنحاء الغرب. ولكن المنافسين مثل الصين والهند ليسوا في موقف يسمح لهم بإلقاء المواعظ. فمقارنة بالرأسمالية الهندية، تبدو إخفاقات الرأسمالية الأخلاقية في أماكن أخرى حميدة بشكل خاص. ففي الهند تستحوذ قِلة لا تتجاوز مائة شخص على أصول تعادل 25% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يعيش 800 مليون من مواطنيهم على أقل من دولار واحد يوميا. وهناك يُشتَرى الساسة والقضاة بالمال، ويباع من الموارد الطبيعية ما يعادل تريليونات الدولارات لشركات قوية بأسعار بخسة.


إن الاحتفاظ بوصف أضخم اقتصاد على مستوى العالم يشكل أهمية كبرى بالنسبة لقوة طامحة إلى الحفاظ على تفوقها العسكري والاحتفاظ بالقدرة على تحديد النظام الدولي. وبالتالي فإن انحسار قوة الغرب يعني كفاحاً أكثر شراسة للحفاظ على أهمية المكونات الرئيسية لنظامها القيمي المتمثل في الديمقراطية والحقوق الشاملة.


إن أوروبا، التي تتسم بعقلية ما بعد التاريخ، تخلت منذ فترة طويلة عن ادعاءات القوة العسكرية. ولا يمكننا أن نقول نفس الشيء عن الولايات المتحدة. ولكن بدلاً من أن تعكس النكسات الأمريكية في العراق وأفغانستان انحداراً في تفوق الولايات المتحدة العسكري، فإن هذه النكسات كانت نتيجة مباشرة لسياسات خاطئة سعت إلى استخدام القوة الصارمة لحل صراعات لم تكن ببساطة قابلة للاستجابة للقوة الصارمة.


ولا ينبغي للتخفيضات الهائلة الأخيرة للميزانية العسكرية الأمريكية أن تشير إلى الانحدار؛ فهي قادرة على إطلاق عصر جديد من الدفاع الأكثر ذكاء، الذي يعتمد على الأفكار الخلاقة، والتحالفات القوية، وبناء قدرة الشركاء. والواقع أن تحول الأولويات العسكرية الأمريكية نحو منطقة آسيا والباسيفيكي كان بمثابة محاولة مفهومة لإعادة التوازن الاستراتيجي، نظراً للتركيز الأمريكي المفرط على الشرق الأوسط والحرص على إبقاء وجود عسكري غير ضروري في أوروبا.


إن الحماسة التبشيرية الأمريكية لإنقاذ العالم من شرور أنظمة مستبدة في مناطق نائية من العالم، والتي خمدت إلى حد كبير بسبب إجهاد الرأي العام الأمريكي من المغامرات في الخارج، سوف تنكمش إلى حد كبير. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الصين سوف تستولي تلقائياً على الأرض التي تنسحب منها أمريكا.

فعلى الرغم من التخفيضات الأخيرة، فإن الميزانية الدفاعية الأمريكية لا تزال خمسة أمثال نظيرتها في الصين. والأمر الأكثر أهمية هو أن استراتيجية الصين في الأمد البعيد تتطلب منها التركيز في الأمد القريب على إشباع شهيتها الهائلة للطاقة والمواد الخام.


ينبغي لنا أن نستوعب هذه الحقيقة: لقد تلقت الوسطية الأوروبية والغطرسة الغربية ضربات قاسية في السنوات الأخيرة. ولكن، لكل هؤلاء في الغرب الذين استسلموا لمشاعر التشكك في الذات والقَدَرية، فإن رسالة الأمل تنبعث الآن من الربيع العربي، ومن استئناف روسيا لثورتها التي لم تكتمل والتي أنهت الشيوعية. وحتى الآن لم يُحَل ذلك التناقض بين رأسمالية الصين وافتقارها إلى الحريات المدنية. ولا يسعنا الآن أن نستبعد ربيعاً صينياً مقبلا.


إن الغرب يواجه تحديات خطيرة ــ كحاله دوما. ولكن قيم الحرية والكرامة الإنسانية التي تحرك الحضارة الغربية تظل تشكل حلماً يراود الغالبية العظمى من البشر.


شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل الأسبق، ونائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام، ومؤلف كتاب "ندوب الحرب وجراح السلام: المأساة العربية الإسرائيلية".


قم بمشاركة الخبر:
طباعة طباعة    البريد الالكتروني البريد الالكتروني صفحة البداية


 
  آخر الأخبار 
لتدعم تعافيها البطيء من الأزمة العالمية
كشف تقرير أسبوعي للشركة الكويتية الصينية الاستثمارية في تحليلها الأسبوعي للأسواق الناشئة في آسيا أن البنوك المركزية أبقت سياساتها النقدية منذ الأزمة المالية العالمية في العامين 2007 و2008، متساهلة بشكل كبير، وخصوصاً في الاقتصادات المتقدمة، حتى تدعم تعافيها البطيء
بعد يومين متواصلين من حلقات عمل مكثّفة ... أسبوع المصنعة للإبحار الشراعي يبدأ السباقات الفعلية..اليوم
بعد يومين حافلين من البرامج التدريبية وحلقات العمل، تحتضن المدينة الرياضية اليوم السباقات الفعلية لأسبوع المصنعة للإبحار الشراعي والذي ينظّم نسخته الثالثة مشروع عُمان للإبحار بهدف إتاحة منصة تجمع البحّارة من المبتدئين والمحترفين من شتى أنحاء العالم في حلقات عمل نظرية مثرية تليها سباقات عملية يتسابق فيها حوالي 120 مشاركا من 20 دولة للتنافس
بمشاركة معاهد دول مجلس التعاون "الإدارة العامة" يناقش الاحتياجات التدريبية.. بالكويت
شارك وفد من المعهد الإدارة العامة بالسلطنة، برئاسة المدير العام الشيخ د.سليمان بن هلال العلوي في الاجتماع الخامس عشر لأصحاب المعالي والسعادة مديري عموم معاهد الإدارة العامة
مصرع "مواطن عُماني" وزوجته وإصابة 6 من أبنائهما في حادث مروري مروّع بالسعودية
لقي مواطنٌ من سلطنة عُمان وزوجته مصرعهما وإصابة ستة من أبنائهما من بينهم طفل, في حادث مروري على طريق القصيم بعد جسر الحسي باتجاه الشمال, حيث انقلبت مركبتهم.
الهيئة العمانية للاعتماد الأكاديمي تناقش مشروع تطوير معايير الاعتماد المؤسسي
اقامت الهيئة العمانية للاعتماد الأكاديمي صباح اليوم اجتماعاً يتعلق بمشروع تطوير معايير الاعتماد المؤسسي ومعايير اعتماد البرامج الأكاديمية، في مبنى وزارة التعليم العالي بمرتفعات المطار. هدف الاجتماع إلى التعريف بآلية التقويم التي سيتم إتباعها
بالتعاون مع الجمعية الجيوفيزيائية جامعة السلطان قابوس تنظم الملتقى الطلابي الثاني
يعقد قسم علوم الأرض بكلية العلوم بجامعة السلطان قابوس اجتماعه التنظيمي الثاني لإقامة الملتقي الطلابي الثاني لمنظمة الجمعية الاستكشافية الجيوفيزيائية في الفترة من 26-29 من أبريل المقبل في الجامعة، بالتعاون مع الجمعية الاستكشافية الجيوفيزيائية وممثلين من بعض شركات البترول العالمية الراعية.
إيميليا إيرهات تستعد للتحليق مجدداً
تستعد قبطان طائرة تدعى إيميليا إيرهارت، للسير على خطى سلفها الشهيرة إيمليا إيرهات التي تحمل الاسم عينه، وتقوم برحلة حول العالم.
الأمين العام بوزارة الدفاع يستقبل مسؤولا عسكريا فرنسيا
استقبل الأمين العام بوزارة الدفاع معالي محمد بن ناصر بن محمد الراسبي بمكتبه صباح أمس مدير التنمية الدولية لدول أفريقيا والشرق الأوسط في الإدارة العامة للتسلح بالجمهورية الفرنسية اللواء جان كريستوف كاردامون الذي يزور السلطنة حاليا.
أمين عــام مجلس الوزراء يرعى أمسية سلاح الجو السلطاني العماني
أقام سلاح الجو السلطاني العماني بنادي الشفق مساء أمس حفل الأمسية السنوية للسلاح وتكريم القواعد الجوية الفائزة في عدد من المسابقات والفعاليات لعام 2013م ، تحت رعاية معالي الشيخ الفضل بن محمد بن أحمد الحارثي أمين عام مجلس الوزراء .
" الزهراء" تنظم معرضا للتدريب والتوظيف
نظمت مؤخرا كلية الزهراء للبنات معرض "التدريب والتوظيف الأول تريجوبكس 2014"، وذلك برعاية مستشار وزير القوى العاملة لتخطيط الموارد البشرية، محمد بن غالب الهنائي.