الثلاثاء، ٢٦ سبتمبر، ٢٠١٧

محليات

تفعيل دور الزكاة وكيفية القضاء على الفقر «الحلقة الرابعة» العزري: اكتناز الأموال دون زكاة يخلخل النظام الاجتماعي

الأربعاء، ٢١ يونيو، ٢٠١٧

ناصر بن يوسف العزري



عرض - أحمد بن سعيد الجرداني

الإسلام يسع جميع القضايا ويحل مختلف النوازل بدءًا من الإنسان نفسه ومرورًا بواقعه، لذلك أولى اهتمامه بالنفس الإنسانية وإصلاحها أيما اهتمام إذ النفس بتزكيتها والارتقاء بطبيعتها تكون أقرب استعدادًا لتلقي أوامر ربها والنزول إلى حكمه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} وبهذا تظهر ميزة الحضارة الإيمانية الشاملة لانطلاقها من معرفة الإنسان لخالقه وتطبيقه لتعاليمه، وحينما تظهر آثار الإيمان في الإنسان يعم الخير بين البشرية ويشيع الحب والتضامن بينهم وتنتزع من قلوبهم البغضاء والأحقاد، وينطلق بذلك الإسلام إلى غاياته وأهدافه لبناء مجتمعات متماسكة قوية يحنو كبيرها علـى صغيرها ويعطف غنيها على فقيرها.

وحول هذا الموضوع نواصل عرض هذا البحث بتصرف والذي أعده المدير العام للوعظ والإرشاد الشيخ ناصر بن يوسف العزري والذي قدمه لمجمع الفقه الإسلامي في الدورة الثامنة عشرة.

إشاعة الفقر فيه ما فيه من الآفات

حول إشاعة الفقر والآفات يقول الشيخ ناصر العرزي: إن إشاعة الفقر فيه ما فيه من الآفات الاجتماعية الخطيرة التي تفقد المجتمعات الأمن والطمأنينة وتسوقها إلى الهاوية. مع أنني أقول إنه لا يمكن استساغة الخلاف الأصولي وحده هنا في هذه المسألة وذلك من عدة وجوه:

أولًا: أن الزكاة تجب في المال الذي هو عصب الحياة المادية فبه يقوم الإنسان بشؤونه وعليه قوام كثير من الأمور الاجتماعية، فتحكمه بيد جماعة من الناس يجعل الحياة الاجتماعية مختلة النظام وهذا الاختلال يقود إلى الفوضى والفساد الذي حذر منه الله تعالى وحذر منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -كما بيَّنت من قبل، ولا واجب في هذا المال المحكوم غير الزكاة وشأن ما ذكر من الإنفاق والصدقات كان من باب الندب الذي يرقى به الإنسان عن غيره فإذا تهاون الناس في إخراجها وقع المحذور.

ثانيًا: أن تحصيل المال هو دأب كل إنسان وسعي كل مخلوق مصداقًا لقوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}، وهذه المحبة يتساوى فيها الفقير والغني فتحكم المال بيد الغني ومنع حقه المذكور فيه يورث البغضاء والشحناء ويزرع الفتن والشقاق، ولا يرتق هذا الفتق غير الزكاة.

ثالثًا: أن الزكاة عبادة مالية اجتماعية خالصة بخلاف غيرها من العبادات فالصلاة مثلًا والصوم عبادتان بدنيتان والحج عبادة بدنية مالية، وهذه العبادات يتعلق حق الإنسان فيها مع ربه ولكن الزكاة يجتمع فيها حقان حق الله الذي تتساوى فيه الزكاة مع غيرها من العبادات وحق غيره من العباد إذ مبدؤها كما ذكرت من قبل -التكافل الاجتماعي- وكلا الحقين واجبان، ومن المعلوم أن حقوق العباد مبنية على المشاحة لا على المسامحة فمن وجب في ماله حق لغيره وجب عليه إيصاله إليه من غير توان وهل هناك أوجب حقًا على الغني من الزكاة الواجبة عليه تجاه الفقير.

رابعًا: مع التسليم بجواز التراخي في الزكاة هل التراخي محدود بوقت معين أم مفتوح الأجل؟ وهذا لا يسلم به إذ لو كان مفتوح الأجل لأدى ذلك إلى تفويت الواجب بالكلية وهذا ما يخالف النصوص الشرعية إذ الأحكام الشرعية لا تناط بغايات مجهولة، وإن قيل محدود بوقت معين فهل الوقت المعين في ذلك معلوم لدى المكلف أم لا وهذا لا جواب عليه عندهم إلا أن يقولوا وقته مقرون بعلمه لعاقبته وهذا مما لا يسلم لهم به إذ الأجل محتوم ووقته غير معلوم يقول تعالى: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}، وقال: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ}، وقال أيضًا: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وقال أيضًا: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}.

خامسًا: مع استساغة الخلاف المذكور في إيقاع الأمر المتجرد عن القرائن فإن ذلك لا ينطبق على الزكاة إذ الخطاب في النصوص الشرعية الكثيرة على حرمة التواني في أدائها قرينة يؤكد الفورية.

يقول المولى جل وعلا في كتابه العزيز: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}.

وقال أيضًا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.

وفي الحديث الصحيح: عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن قلنا: يا رسول الله وما حقها؟ قال: إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله، ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه ويقال هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها كما يقضم الفحل».

وفي حديث آخر: عن ابن عباس قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا فشت الفاحشة في قوم إلا أخذهم الله بالموت، وما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين، وما منع قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء، وما جار قوم في حكم إلا كان البأس بينهم -أظنه قال- والقتل»، يقول الشيخ السالمي: «وإذا تأملت آيات الكتاب العزيز وأحوال السنة النبوية ظهر لك من لحن الخطاب تحريم التواني في أدائها، وأن المتواني بعد الإمكان عاص، وليس هو بمنزلة من تواني في الأمر المطلق لأن تأكيد الزكاة والتشديد فيها يؤكد الفورية فيها، وهذا الحال لم يوجد في الأمر المطلق، فنحن إنما نقول بوجوب التعجيل عند الإمكان بانضمام أحوال مع الأمر بالأداء لا بنفس الأمر حتى يلزمنا القول بجعل الأمر للفور.

ثم إن تأملت ما يترتب على التأخير من المفاسد الدينية والدنيوية ظهر لك رجحان القول بوجوب التعجيل لأن المرء لا يدري متى يموت فإذا عاجله الموت قبل الأداء بقيت زكاته في عنقه، فإن أوصى بها انتقل حال السعة الذي كان للهالك إلى الوصي فيسعه من التأخير ما وسع الأول حتى يحضر الموت ثم يموت والوصية في عنقه. فإن أوصى بها وسع الوصي الآخر ما وسع الوصي الأول وهكذا فيفضي الحال إلى تعطيل الزكاة رأسًا، وكفى بها مفسدة عظيمة. وهذا المعنى نبَّه عليه شيخنا الصالح -رحمة الله عليه- فظهرت لنا به أكبر المصالح.

وأما قول محمد بن روح إنما الضيافة على السلطان وعلى عماله في بيت مال الله لأن الله عز وجل جعل لابن السبيل حقًا في الصدقات قال وأما سائر الناس فليس أرى عليهم ضيافة إلا من زكاة أموالهم فيحتمل أنه أراد أن يعطوا الضيف من زكاتهم ليخرجها في حوائجه ولا يدل على أنه أجاز أن يطبخوا له الطعام ثم يحسبونه من الزكاة ولعمري إن فتح هذا الباب يفضى إلى انطماس فرض الزكاة فإن الناس متى علموا جواز ذلك أخروا زكاتهم لضيافتهم فينطمس شعارها وتنمحي آثارها، حتى أن القرية بأسرها إذا علموا بذلك لا يخطر على لسانهم ذكر الزكاة لجعلهم إياها ضيافة فيأتي من بعدهم فيسلك سبيلهم وهكذا إلى غير نهاية فيصح أن يحكم على أهل تلك القرية بأنهم تركوا الزكاة حيث علم منهم ذلك الحال، والله أعلم».

سادسًا: دلت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم أن النبي عليه الصلاة والسلام تعجل صدقة عمه العباس فقد روى أبو عبيد في الأموال عن علي «أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقته سنتين». روي هذا الحديث من عدة روايات لم يسلم شيء منها من مقال.

فيديو

معرض الصور