الخميس، ١٩ أكتوبر، ٢٠١٧

مقالات

ماكرون يخوض التحدي

الأربعاء، ٤ أكتوبر، ٢٠١٧

فيليب ليجرين



فيليب ليجرين

في خطابه الطموح العامر بالرؤى الذي ألقاه في جامعة السوربون هذا الأسبوع، عَرَض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطته للتصدي للتيار القومي الكاره للأجانب في أوروبا. فهو يريد بناء «أوروبا موحدة وديمقراطية وذات سيادة»، حيث يشعر المواطنون مرة أخرى بحس الولاء لفكرة أوروبا ذاتها.

كان خطاب ماكرون أشبه بدعوة لحمل السلاح موجهة إلى الاتحاد الأوروبي الذي يواجه العديد من الأزمات والتهديدات. ولكن عندما يتعلق الأمر بالمسألة العصيبة والمثيرة للجدال بشأن إصلاح منطقة اليورو، جاءت مقترحاته مخيبة للآمال. وسوف يواجه صعوبة شديدة في إقناع نظرائه الأوروبيين الأكثر حذرا، وخاصة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي انكمش حيز المناورة المتاح لها بفِعل أداء حزبها الهزيل في الانتخابات الفيدرالية التي جرت في نهاية الأسبوع الفائت. ومع ذلك، أقام ماكرون حجة قوية وإيجابية لصالح تجديد الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الذي يعتنق العولمة والإبداع، في حين يحرص أيضا على حماية الأوروبيين، ويبذل المزيد من الجهد لمساعدتهم على التكيف مع عالَم متغير، ويعزز المصالح والقيم الأوروبية في عالَم تهيمن عليه أمريكا والصين. كما يعزز الأمن في وقت تطغى عليه الرجعية الروسية المتزايدة، والإرهاب المتأسلم، والانسحاب الأميركي في عهد الرئيس دونالد ترامب.

جمع ماكرون بين أفكار كبرى والعديد من المقترحات الملموسة لتعاون أوثق في مجالات مثل الدفاع، والهجرة، والبيئة، والإبداع، والتعليم، وغير ذلك الكثير. والأفضل من هذا أنه حدد استراتيجية سياسية عريضة لتنفيذ مقترحاته. وقد أعلن ماكرون أنه إذا نجح فربما «تجد بريطانيا التي قررت الخروج من الاتحاد الأوروبي» مكانها مرة أخرى» في الاتحاد الأوروبي بعد إصلاحه، جنبا إلى جنب مع أعضاء جدد من غرب البلقان.

بموجب خطة ماكرون، تقيم كل دولة في الاتحاد الأوروبي مؤتمرات ديمقراطية لمناقشة أولويات المواطنين. وسوف تشكل الأفكار المستمدة من هذه المناقشة جزءا من عملية أوسع تشمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحكوماته الراغبة في إصلاح أوروبا. ومن ثَم، يصبح بوسع التحالفات بين الحكومات الراغبة أن تحقق التكامل والاندماج بشكل أسرع، مع تنشيط المحرك الفرنسي الألماني الذي يدفع العملية إلى الأمام.

والكرة الآن في ملعب ألمانيا. فقد تستسلم أوروبا للنزعة القومية إذا فشلت خطة ماكرون. وسوف يكون هذا مدمرا لألمانيا، الدولة التي يقوم نجاحها الاقتصادي، وهويتها السياسية، وأمنها عل الاتحاد الأوروبي القوي القادر على الاضطلاع بوظائفه.

يُعَد ماكرون الرئيس الفرنسي الأكثر تأييدا لألمانيا، وقد نجح في تعزيز مصداقيته من خلال ملاحقة إصلاحات سوق العمل الصعبة وكشف النقاب عن ميزانية متدبرة حصيفة من المنظور الألماني. والواقع أن ألمانيا ترتكب خطأً استراتيجيا هائلا إذا لم تشارك بجدية في بلورة مقترحاته.

من المؤسف أن السياسة الداخلية في ألمانيا أصبحت أشد صعوبة. وقد اختار ماكرون لخطابه توقيتا يجعله يؤثر على مفاوضات ائتلاف ما بعد الانتخابات هناك، على أمل أن تستخدم ميركل فترة ولايتها الرابعة والأخيرة في الأرجح لتلميع إرثها من خلال استنان إصلاحات أوروبية جريئة. وكان ماكرون يعتمد أيضا على تمكن حزب ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، من الحفاظ على ائتلافه مع الديمقراطيين الاجتماعيين وزعيمهم رئيس البرلمان الأوروبي الاسبق مارتن شولتز.

بيد أن الناخبين الألمان لديهم خطط أخرى. فقد خسر حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ونظيره البافاري حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي الدعم، في حين كان أداء الحزب الديمقراطي الاجتماعي رديئا للغاية حتى أنه قرر العودة إلى المعارضة. وفي الوقت نفسه، اجتاح الحزب اليميني المتطرف المناهض للاتحاد الأوروبي «البديل من أجل ألمانيا» مقاعد مجلس العموم الألماني بحصوله على 13 % من الأصوات، وقد تعهد بملاحقة ميركل وإسقاطها.

يتعين على ميركل، التي أصبحت ضعيفة سياسيا الآن، أن تحاول تشكيل تحالف جامح يجمع بين الخُضر المغرمين بأوروبا والذين رحبوا بخطاب ماكرون، والمتشككين في أوروبا من حزب الديمقراطيين الأحرار الذين كانوا معادين لأوروبا. وفي حين يهاجم حزب البديل من أجل ألمانيا جناحها الأيمن، فسوف يتصارع منافسوها داخل حزبها لتحديد من يخلفها. وعلى هذه الخلفية، فإن حتى الحلول الوسط والتنازلات ستكون مشحونة سياسيا.

وسوف تكون خطط ماكرون لإصلاح منطقة اليورو أكبر أسباب الخلاف. فهو يريد إنشاء ميزانية لمنطقة اليورو ممولة بواسطة إيرادات الضرائب على الشركات. وسوف يشرف على هذه الميزانية، التي ستوفر الاستثمارات وتعمل كمخفف للصدمات خلال دورات الانحدار الاقتصادي (الركود)، وزير لمالية منطقة اليورو، والذي يفترض أن يكون مسؤولا أمام ممثلي بلدان منطقة اليورو في البرلمان الأوروبي.

بيد أن ألمانيا تبدي تشككها في ما تعتبره «اتحاد تحويل»، حيث يسلم دافعو الضرائب الألمان النقود إلى دول مسرفة فشلت في إعادة تشكيل اقتصاداتها وفقا للخطوط الألمانية. وسوف تفضل ميركل إنشاء صندوق مشترك صغير لمساعدة حكومات البلدان الأعضاء على تنفيذ إصلاحات صعبة، على الخيار الآخر المتمثل في تبني سياسات تثبيت الاستقرار المالي على غرار ما أوصى به جون ماينارد كينز. وفي حين يسعى ماكرون إلى إنشاء منصب وزير المالية الذي سيكون نظيرا سياسيا لرئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي، فإن ميركل تفضل أن يقتصر دور هذا الوزير على فرض الانضباط المالي الوطني.

ومكمن الخطر هنا هو أن يعجز ماكرون عن تحقيق ما لا يزيد على ميزانية رمزية لمنطقة اليورو في مقابل فرض ضوابط أكثر صرامة على الميزانيات الوطنية، وهذا من شأنه أن يلحق الضرر الاقتصادي ويبث السم على المستوى السياسي. وسوف يفوت ماكرون بهذا أيضا الفرصة لتنفيذ الإصلاحات التي تحتاج إليها منطقة اليورو حقا. ويشمل هذا تكامل الأسواق المالية بشكل أكثر عمقا؛ وتيسير عملية شطب الديون المصرفية والحكومية؛ وزيادة المرونة المالية؛ وإنشاء آليات أكثر توازنا للتكييف الاقتصادي.

تتلخص أكثر أفكار ماكرون تبشيرا في «إعادة أوروبا إلى مواطنيها». في كتابي بعنوان الربيع الأوروبي، أزعم أن الاتحاد الأوروبي التكنوقراطي المعيب يحتاج إلى زعماء يتحلون بالجرأة، ومبادرين سياسيين، وحركات شعبية، والمزيد من التجارب مع الديمقراطية التشاورية لإحداث التغيير المرغوب. وقد اقترح ماكرون هذه العناصر الأربعة.

وكان ماكرون محقا عندما أشار إلى أن بيروقراطية الاتحاد الأوروبي تبدو غالبا نائية، وغير ملهمة، وعقيمة؛ ولكنه يرفض أيضا الاستفتاءات التي تستقطب المواطنين حول اختيارات ثنائية تبسيطية. ومن الممكن أن تعمل المؤتمرات الديمقراطية المفتوحة التي اقترحها للنصف الأول من العام 2018 على ضخ أفكار جديدة إلى شرايين المناقشة المبتذلة، وتوفير الشرعية لإصلاحات جريئة، وفرض الضغوط على الحكومات المتمردة.

وربما تساعد المؤتمرات أيضا في تعزيز حركات سياسية جديدة، مثل حركة ماكرون «الجمهورية إلى الأمام»، والتي قد تجلب وجوه جديدة إلى عالَم السياسة، وتساعد في فتح الأنظمة الحزبية الفاسدة، وتبدأ في إعادة بناء ثقة الناس في الساسة. ومن الممكن أن تمنح ماكرون أيضا المزيد من النفوذ لمواصلة تنفيذ إصلاحاته، من خلال تقديم مرشحين جدد في الانتخابات الوطنية وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي.

الواقع أن طموح ماكرون عريض، إن لم يكن مخيفا. ولكن التحديات التي تواجه أوروبا مهولة. وربما يحاول ماكرون تحقيق الكثير في نفس الوقت، ولكن الاتحاد الأوروبي الأكثر ديمقراطية وديناميكية واتحادا جائزة تستحق القتال للفوز بها.

مستشار رئيس المفوضية الأوروبية الاقتصادي الأسبق

فيديو

معرض الصور