السبت، ٢١ أكتوبر، ٢٠١٧

مقالات

هل هناك خطر في انفصال جنوب اليمن؟!

الأربعاء، ٤ أكتوبر، ٢٠١٧

علي ناجي الرعوي



علي ناجي الرعوي

لم تكن اليمن بعيدة عن تأثيرات عملية الاستفتاء التي جرت يوم الاثنين 25 سبتمبر الفائت في إقليم كردستان العراق فبالرغم من الاختلاف الكبير بين الحالتين الكردية واليمنية فإن تداعيات ذلك الاستفتاء الذي يسعى من خلاله الأكراد للانفصال عن الدولة العراقية قد القى بظلاله الكثيفة على نقاشات اليمنيين حول الوحدة والانفصال في ضوء الوضع والظروف الراهنة المحيطة في اليمن، وما آل اليه الحال في هذا البلد بعد عامين ونصف العام من الحرب المستعرة على أراضيه من فرقة وشتات وانقسامات داخلية الى درجة بدا فيه المشهد شبيها بالمشهد في العراق من حيث متلازمات التشظي والتفتت والتي تلتقي عندها أوجه الشبه على نحو ملحوظ فيما يجري عمليا في شمال العراق وجنوب اليمن.

لقد بدت مواقف الأطراف الداخلية اليمنية من استفتاء إقليم كردستان عاكسة للانقسام الحادث في هذا البلد فبينما استهجنت مكونات الشمال ذلك الاستفتاء واعتبرته جزءاً لا يتجزأ من المؤامرة الكونية الهادفة إلى تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم في المنطقة العربية جاء موقف الجنوبيين المطالبين بالانفصال متماهيا مع الاستفتاء الكردي بل إنهم من نظروا إليه كنموذج ملهم لهم على التحرك والسير في ذلك الاتجاه وإعلان الانفصال عن الشمال والانطلاق صوب اقامة الجمهورية الثانية في جنوب اليمن وفك الارتباط بالجمهورية الأولى التي تأسست في أعقاب التحرر من الاستعمار البريطاني في ستينيات القرن الفائت قبل أن تندمج هذه الجمهورية مطلع تسعينيات هذا القرن مع مثيلتها بالشمال ليشكلا معاً الكيان الموحد لشطري اليمن ومع ذلك فإن فصيل جنوبي آخر ما زال يرى أن نجاح سيناريو الانفصال من عدمه يبقى مرتبطاً بنتائج الحرب الدائرة الآن في مناطق الشمال وكذا بمواقف دول التحالف العربي المنخرطة في الحرب وخصوصا منها دول الجوار الخليجية والتى لا يظهر أنها قد اتفقت على خارطة ما بعد (عاصفة الحزم) في اليمن.

ثمة مجموعة عوامل تفسر هذا الانقسام الذي يعمق كارثية الثنائيات الحاكمة في اليمن ومن اهم تجلياتها اليوم ثنائية (شمالي - جنوبي) والتي نفذ من خلالها المجلس الانتقالي الجنوبي ليقدم نفسه ممثلا عن الجنوب وحاملا لمطالب الانفصال مع أن مثل هذا الادعاء لا يستند لأي قاعدة قانونية او دستورية إلا أن عوامل الحرب وحاجة التحالف العربي لقوة على الأرض قد مكنت ذلك التيار من فرض وجوده وتوجهاته على الجنوب بما في ذلك إضعاف سلطة الرئيس هادي وحكومته المعترف بها دوليا، ومن هذه الزوايا فان الانفصال بالنسبة لهذا التيار بات أمراً منطقياً بعد عامين من إخراج قوات أنصار الله وصالح من معظم المحافظات الجنوبية وفي هذا الصدد يقول نائب رئيس ما يسمى بـ (المجلس الانتقالي الجنوبي) هاني بن بريك: إن الاستفتاء كان خيار الأكراد أما نحن فخيارنا كان التحرير وسنفرض هذا الخيار بالتفاوض أو بالقوة لإدراك الرجل أن إجراء استفتاء مماثل غير ممكن في المرحلة الحالية فضلاً عن أن نجاح الاستفتاء لانفصال جنوب اليمن ليست بذات القدر الذي حظي به استفتاء الأكراد.

هذا التفاعل الرومانسي من قبل قادة المجلس الانتقالي الجنوبي يفتقر ربما إلى إدراك كاف من أنه لا يوجد إلى الآن أي مؤشر يساند فرضية نجاح أكراد كردستان في الانفصال وإقامة دولة مستقلة وأن من غير الممكن أن تسمح تركيا بإقامة دولة كردية في خاصرتها الجنوبية وكذلك إيران والعراق وسوريا التي تؤكد كل الشواهد أنها لن تقبل بوجود دولة قومية قد تدفع بالمنطقة إلى مزيد من الحروب والصراعات وإذا أخذنا في الاعتبار أن حال اليمن يختلف تماماً فالمجتمع اليمني من حيث القومية واللغة والدين والتاريخ يبدو منصهرا كليا فإن ذلك مدعاة للتوجس من أي دعوة للانفصال قد تودي إلى اثارة الفوضى في هذا الجزء الحساس من الكرة الأرضية حيث وأن انفصال جنوب اليمن لن يفرض واقعا جديدا في الجغرافيا اليمنية فحسب وانما هو الذي سيعيد رسم خريطة المنطقة كلها والاكيد ان الحجج التى يسوقها المجلس الانتقالي الجنوبي لتبرير فكرة الانفصال تصبح غير واقعية خصوصا اذا ما علمنا أن حضرموت التي تتمدد على ما يقارب من ثلث الجغرافيا اليمنية هي الاخرى من قد تطالب بوضع خاص غير مرتبط بمستقبل الجنوب او الشمال.

يشعر معظم المراقبين السياسيين هنا الى أن حالة ترقب مخيفة ينتظرها اليمن في الايام القادمة على مسار الاحداث لأسباب اهمها تعدد الاقطاب الطامحة لحكم الجنوب سيما وان انهيار ما تبقى من مرتكزات الدولة المركزية هو من قد ينحدر باليمن من هاوية الى هاوية حتى يتلاشى ويتقهقر على جميع المستويات الى عصر ما قبل الدولة ان لم نقل الى ازمنة حرب البسوس وداحس والغبراء فالانقسام في اليمن بدأ فعليا في الاتساع على نحو مخيف ومقلق فهناك الآن دويلة في حضرموت ودويلة في تعز ودويلة في مأرب وحكومة شرعية تأتي إلى عدن بين الحين والآخر لكنها غير قادرة على الاستمرار في التواجد بهذه المدينة أو غيرها وهناك اليوم مجلس انتقالي جنوبي له نفوذه في عدن ولحج والضالع وابين وبالمقابل هناك المجلس السياسي في صنعاء الذي يمارس صلاحياته في محافظات عدة كسلطة أمر واقع وإذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه ستظهر المزيد من السلطات الحاكمة في اليمن والكيانات التي قد تذهب بهذا البلد إلى حالة الانهيار الشامل ليتمزق في كنتونات صغيرة غير قادرة على التعايش مع بعضها البعض.

هل هناك خطر في انفصال جنوب اليمن ؟ علينا هنا أن ننحي العاطفة جانبا ونتعامل مع حقائق الواقع بصورة عقلانية اذا ما أردنا الوصول إلى إجابة مقنعة على هذا السؤال.. فالحقيقة أننا إذا ما سلمنا بطرح الحراك الجنوبي المنادي بالانفصال بأن الجنوب كان دولة معترف بها عربيا وعالميا قبل اتحادها مع الدولة التي كانت قائمة في الشمال وأن ذلك يمنح أبناء الجنوب حسب هذا الطرح الحق في استعادة دولتهم فإن مثل هذا الأمر يمكن أن يصبح أداة لتفكيك جميع الدول العربية لكونه الذي سيفتح الباب على مصراعيه أمام ظهور دعوات مماثلة في أكثر من قطر عربي، فهل سيقبل الحراك الجنوبي ودول الإقليم بأن تستعيد تلك الدويلات كياناتها بناء على رغبتها في تقرير مصائرها بصورة مستقلة؟.

على الجميع أن يعلم أن مخاطر تمزق اليمن لن تكون محصورة عليه بل إن آثارها السلبية ستمتد إلى كل أرجاء الجزيرة العربية ومن الواقعية السياسية أن يستوعب الإقليم مثل هذه البديهية لأن النار إذا ما اشتعلت فسيكون من الصعب محاصرة شررها المتطاير.

كاتب يمني

فيديو

معرض الصور