الخميس، ٢٤ مايو، ٢٠١٨

مقالات

ادفعوا النقمة باللقمة..

الثلاثاء، ١٣ فبراير، ٢٠١٨

لميس ضيف

لميس ضيف

تقول إحداهن: كانت جدتي -رحمها الله- أميةً ولكنها ذات قدر واسع من الحنكة. كلما مرّت العائلة بضائقة مالية أو وقعت في مأزق تخشى عاقبته نزلت للسوق، واشترت بكل ما نملك طعاما وطهته ووزعته على الفقراء. ولم تكن تقبل أن نأكل منه شيئا رغم توسلاتنا وكانت تهمس لنا "إنه لله".

لم تكن محدثتنا تستوعب ما تفعل جدتها حتى كبرت وعرفت الحديث القدسي الذي يقول "أَنْفِق يا ابن آدم أُنْفِق عليك".. فالإنفاق سر من أسرار استمطار الرزق، وحبس المال من أسباب الفقر ومنع البركة. يقول تعالى "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين" مشجِّعا الناس على العطاء دون خوف من تآكل الممتلكات.

جوهر العطاء هو العطف والشفقة. وهي صفات لا تدخل قلبا إلا أضاءته. والعطاء لا يحتاج لمال وفير بقدر ما يحتاج لقلب كبير. عرفت امرأة كانت تسعد بأعمال الحفر والإنشاءات قرب بيتها -رغم ما تأتي به من ضوضاء- لأنها كانت تستغل مدة وجود هؤلاء العمّال لإطعامهم وجبة الفطور. لم يكن الأمر يكلّفها إلا جهدها في إعداد الشاي بالحليب الأثير لديهم. وبعض السندويشات التي لم تكن تكلّفها الكثير أيضا. لم يكن العمّال يُجيدون العربية ولا الإنجليزية. ولم تكن تحصل على شكر لائق، ولم تكن تنتظره كذلك، لكنها كانت تعتبر وجودهم حولها هدية لها، وبوابة لعمل يراه البعض تافها وتراه هي بالغ الجمال.

مثال آخر استحضرته وأنا أكتب هذه السطور لامرأة كانت تجلس في الطابق الثاني من الحرم حيث يطوف الناس. راقبتها لأكثر من ساعة. كانت تملأ الأكواب البلاستيكية بماء زمزم وتقرّبه للطائفين الذين لا يستطيعون -بطبيعة الحال- ترك الطواف لشرب الماء ولو كان على بُعد خطوات. لا أعرف كيف خطرت ببالها هذه الفكرة ولكنها كانت فكرة رائعة للعطاء.

أظن أننا نحاول القول إن العطاء لا يحتاج لثروة بل لقلوب حية، ولأنفس محبة لله ولمخلوقاته. فإن ضاقت عليكم الدنيا قدّموا اللقمة فإنها تزيح النقمة، ومدوا يدكم للمحرومين لتمتد لكم يد ربكم الرحيم. ساعدوا أنفسكم بإلقاء الخير في وجه الدنيا ليعود لكم بأفضل حلة وشكل.
اقرأ المزيد

فيديو

معرض الصور