مقالات

اليمن.. المفترق الأخطر!

الخميس، ١١ يناير، ٢٠١٨

علي ناجي الرعوي



علي ناجي الرعوي

دخل الواقع اليمني خلال سنوات الحرب الثلاث في مستنقع آسن لا أحد يعلم كيف يمكن الخروج منه وما هو الثمن الذي يتعيّن دفعه مقابل انتشال اليمن من ذلك المستنقع؟ فالحرب التي تتجدد يوميا وتزداد التهابات النيران فيها أصبحت هي اللغة الوحيدة السائدة وهي مفتاح كل التغيّرات والتبدلات التي يمرّ بها هذا البلد رضا أو كرها حيث لا يوجد حتى هذه اللحظة ما يدل على أن من استدرجوا إلى مثل هذه الحرب العبثية قد تغيّرت وجهة نظرهم من تلك الحرب وباتوا على استعداد للانصياع للحلول السياسية السلمية بل إن ما يزيد الطين بلة أن كل طرف من هذه الأطراف ما زال يعتقد أنه يخوض حربا عادلة ويحمل الطرف الآخر فشل الخيار السلمي والإبقاء على المشهد اليمني مثقلا بالقتل والخراب والدمار وكل النتائج المأساوية التي تعصف بحياة الملايين من اليمنيين وسبل عيشهم.

لا أستطيع وأنا المتعمق بالشأن اليمني وتداعياته المتلاحقة أن ادّعي معرفتي الدقيقة بطبيعة وأبعاد ما يجري في هذا البلد المنكوب والمتهتك.. وما يجري هذه الأيام كثير جدا لكن ما أفهمه أن الإشكالية القائمة حاليا ليست في انحصار الخيارات بين الحرب والسلام أو بين الحل السياسي والحسم العسكري أو في عدم وجود طريق ثالث يتوسط وإنما هي في فهم كل طرف لمعنى السلام ومتطلباته واستحقاقاته وأمام هذه الإشكالية فقد تحوّلت الحرب لكل الأطراف الفاعلة في الصراع إلى شر لابد منه فالبعض يسعى إلى عرقلة مسار أي تفاوض لأسباب تتعلق بأجندة التفاوض وهناك من يرى أن التفاوض لن يحقق له المكاسب المرجوة بالقدر الذي قد يؤدي إلى تغيير في الخريطة السياسية وفي موازين القوى بصورة لا تسمح له بنيل المبتغى عند الجلوس حول الطاولة لتظل الحرب مستمرة ولا تتوقف إلا لتشتعل من جديد ليس لأن المتقاتلين فيها يحبون الحرب ولكن لأنها أصبحت رهانهم الأخير الذي يخشون خسرانه.

التحدي هو أن الجميع، أو لنقل الأغلبية حتى لا نقع في المبالغة، ليسوا متأهبين للقاء والحوار والتفاوض وبمعنى أدق فإن كل طرف لم يصل إلى غايته بشأن السلام الذي ينشده أو تأمله الجبهة التي يمثلها، والملاحظ أن دفتي التوجيه والتأثير هنا تنحصران في مصالح خاصة لبعض الرموز والمكونات تضاف إليها ضغوط الأطراف الإقليمية المتصارعة في اليمن، وفي ظل هكذا متحكمات من العسير أن يكون الناتج مرضيا للجميع رغم إدراكهم أن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن؛ فالمعول على الحسم العسكري كبديل للخيار السياسي قد يصطدم بوقائع تحول دون الوصول إلى ذلك الهدف ومن يراهن على تعطيل مسار الاتفاق السياسي عبر إقناع الأطراف الدولية بمشروعية مطالبه هو من قد يجد نفسه أمام ضغط الحالة الإنسانية والمعاناة الحياتية التي تحرك قطاعا واسعا من الرأي العام العالمي أمام حظوظ أضعف.

أعتقد أن عودة الحديث عن الحل التفاوضي والسياسي من قِبل الأمم المتحدة وإيفادها لنائب المبعوث الأممي إلى صنعاء مطلع الأسبوع الجاري يصب في دائرة مضاعفة الضغوط على كافة الأطراف اليمنية لكن ما ينتقص من هذه التحركات هو تركيزها على أهداف فرعية تتعلق بشكل رئيسي بمسألة إعادة الثقة وتحييد ميناء الحديدة وفك الحصار عن بعض المدن على حساب الغاية الأساسية وهي إيقاف الحرب والبحث عن الآليات الضامنة لتحقيق السلام والاستقرار ولذلك بدت زيارة نائب المبعوث الأممي إلى صنعاء لا تحمل أي وزن سياسي وهو ما قد يدفع للخوف من أن مجرد مثل هذه الزيارات الأممية لا تهدف إلى كسر الجمود السياسي المستمر منذ فشل مفاوضات الكويت نهاية أغسطس 2016 م وإنما إلى تلغيم الواقع اليمني بالمسكنات التي تجعل من الحديث عن السلام لا قيمة له أو من باب التسلية الإعلامية لا أكثر.

صحيح أن نظرية المؤامرة حاضرة في كل مرتكزات الأحداث المتصاعدة في اليمن إلا أنها تظهر أكثر فجاجة في تعاطي الأمم المتحدة مع الأزمة اليمنية فدور هذه المنظمة الدولية تجاه هذه الأزمة ما زال أقل من المطلوب فهي في الوقت الذي تطالب فيه فرقاء الصراع في اليمن إلى التنازل من أجل السلام والوعي بالخطر الذي صارت تمثله الحرب على هذا البلد وعلى الأمن والاستقرار في المنطقة فإنها التي لا تمتلك أية مقاربة تساعد على إنهاء هذه الحرب وتسعف المنخرطين فيها على الإمساك بأدوات إيقافها حتى وهي من تعلم جيدا أن تفادي المشهد الدموي الذي يتطور ويعطي إشارات واضحة لإمكانية تحوّله إلى معضلة حقيقية يتطلب الكثير من الخيال السياسي الذي لا نجد له شواهد حتى الآن فيما تقوم به تلك المنظمة الدولية من أجل إحلال السلام في اليمن.

في اليمن اليوم يصطدم كل شيء مع نقيضه؛ فأطراف الصراع تتنازع على المكاسب بينما تتنصل من المخاسير وهذا ما ينبئ عن أن هذه القوى أصبحت شريكا في إطالة أمد الحرب وجزءا من الإشكالية التي تعيق مسار السلام هذا إن لم تتحوّل صراعات تلك الأجسام إلى قوة مدمّرة للكيان الوطني الذي يعيش حالة من اللاتوازن جراء الانقسامات الداخلية التي تتعمّق يوما بعد يوم وكذا تنازع المصالح الإقليمية والدولية في اليمن بما جعل منه مركزا استراتيجيا للمصالح المتناقضة أو المتعارضة واستمرار الوضع بتلك الصورة يضع هذا البلد في مفترق هو الأخطر وهو ما يجب الانتباه إليه وتفادي تعبيراته ومقدماته قبل أن يصبح اليمن قربانا لعشاق السلطة والمتنافسين عليها الذين لم يكتفوا باستباحة دم اليمنيين وإنما هم الذين قد يهدمون وطنا بأكمله فوق رؤوس شعب عريق يستحق ما هو أفضل.

اليمن بحاجة في الحد الأدنى لتسوية سياسية تشمل كل اليمنيين.. تسوية تقفل أبواب الصراع وتحقق أهداف العيش والحرية والعدالة لكل اليمنيين دون فضل أو مِنّة من أحد.
اقرأ المزيد

فيديو

معرض الصور