الأربعاء، ٢٤ أكتوبر، ٢٠١٨

مقالات

عواقب اقتصادية مدمرة

الخميس، ١٩ يوليو، ٢٠١٨

باري ايتشنغرين



باري ايتشنغرين

الحرب التجارية المتفاخرة الزائفة التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبحت حقيقية.

كانت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على الصلب والألومنيوم في بداية يونيو مهمة لقيمتها الرمزية في المقام الأول، وليس لأثرها الاقتصادي الحقيقي. ففي حين أن هذه الرسوم الجمركية كانت تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تلعب حسب قواعد النظام التجاري العالمي، فإنها لم تستهدف سوى 45 بليون دولار من الواردات، أي أقل من 0.25 % من الناتج المحلي الإجمالي في اقتصاد الولايات المتحدة البالغ 18.5 تريليون دولار.

ولكن في 6 يوليو، بدأ سريان تعريفة جمركية إضافية قدرها 25% على صادرات صينية بقيمة 34 مليار دولار، وردّت الصين بالمِثْل على حجم مماثل من الصادرات الأمريكية. فغضب ترامب وأمر الممثل التجاري للولايات المتحدة بأن يضع قائمة بسلع صينية إضافية، تزيد قيمتها على 400 مليار دولار، يمكن فرض ضرائب عليها، وتعهدت الصين مرة أخرى بأن تردَّ بالمِثْل. وهدد ترامب أيضا بفرض تعريفات جمركية على ما قيمته 350 بليون دولار من السيارات المستوردة وقطع غيارها. وإذا فعل ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي وغيره من الدول يمكن أن تفرض تعريفات مماثلة على كمية مساوية من الصادرات الأمريكية. إننا نتحدث الآن عن أموال حقيقية: ما يقرب من تريليون دولار من واردات الولايات المتحدة وما يعادل ذلك من مبيعات الصادرات الأمريكية والاستثمارات الأجنبية.

ويكمن الغموض في السبب الذي جعل التداعيات الاقتصادية والمالية الناجمة عن هذا التصعيد محدودة للغاية. فلا يزال الاقتصاد الأمريكي تدُبّ فيه الحيوية، وارتفع مؤشر مديري المشتريات مرة أخرى في يونيو. وتأرجحت بورصة نيويورك، ولكن لم يحدث شيء يشبه رد فعلها السلبي الحاد على تعريفة سموت-هاولي سنة 1930. وعانت الأسواق الناشئة من خروج رؤوس الأموال وضعف العملة، ولكن ذلك لا يرجع إلى أي إعلانات صادرة عن البيت الأبيض بقدر ما هو ناجم عن رفع المصرف الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة.

وتوجد ثلاثة تفسيرات محتملة. أولا، ربما يكون مديرو المشتريات والمستثمرون في سوق الأوراق المالية يراهنون على أن الغلبة في النهاية ستكون للعقلانية. وربما يأملون أن تكون تهديدات ترامب مجرد جعجعة، أو أن تظهر في نهاية المطاف اعتراضات غرفة التجارة الأمريكية وغيرها من جماعات رجال الأعمال.

ولكن ذلك يتجاهل أن حديث ترامب عن زيادة التعريفات الجمركية يحظى بشعبية كبيرة في قاعدته. فقد أظهر أحد استطلاعات الرأي الأخيرة أن 66 % من الناخبين الجمهوريين يؤيدون ما هدَّد به ترامب من فرض رسوم جمركية ضد الصين. وكان ترامب في العام 2016 قد قطع على نفسه عهدا قبل أن يتولى منصبه بتوفير الحماية الجُمركية كي لا يسمح للبلدان الأخرى «باستغلال» الولايات المتحدة. وينتظر منه ناخبوه الوفاء بهذا العهد، وهو يعلم ذلك.

ثانيا، ربما تكون الأسواق تراهن على أن ترامب على حق حينما يقول إن من السهل الفوز في الحروب التجارية. وقد تستنتج البلدان الأخرى التي تعتمد على التصدير إلى الولايات المتحدة أن من مصلحتها أن تستسلم. وفي مطلع شهر يوليو، أفادت التقارير أن المفوضية الأوروبية تفكر في صفقة لخفض التعريفات الجمركية لمعالجة شكوى ترامب من أن الاتحاد الأوروبي يفرض على السيارات الأمريكية ضرائب بأربعة أضعاف معدل الضرائب الأمريكية على سيارات «السيدان» الأوروبية.

لكن الصين لا تبدي أي استعداد للاستسلام للضغط الأمريكي. كما أن كندا، وهي من أكثر البلدان لطفا وتهذيبا، ترفض أيضا الخضوع للتنمر، فقد ردَّت بفرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على 12 بليون دولار من السلع الأمريكية. ولن يفكر الاتحاد الأوروبي في تقديم تنازلات إلا إذا قدمت الولايات المتحدة بعض التنازلات في المقابل – مثل إلغاء تعريفاتها الباهظة على الشاحنات الصغيرة الخفيفة المستوردة – وإلا إذا سايره في ذلك مُصدِّرون آخرون مثل اليابان وكوريا الجنوبية.

ثالثا، يمكن أن تكون التأثيرات الواقعة على الاقتصاد الكلي نتيجة للمجموعة الكاملة من التعريفات الأمريكية، بالإضافة إلى الردّ الأجنبي، صغيرة نسبيا. فالنماذج الرائدة للاقتصاد الأمريكي، على وجه الخصوص، تشير إلى أن أي زيادة بنسبة 10% في تكلفة السلع المستوردة ستؤدي إلى زيادة التضخم لمرة واحدة بنسبة 0.7% على الأكثر.

ومع ذلك، لا يزال المرء قلقاً، لأن النماذج الاقتصادية القياسية معروفة بأنها لا تجيد فهم تأثيرات انعدام اليقين على الاقتصاد الكلي، التي تتسبب فيها الحروب التجارية بروح انتقامية. ولأن خطط الاستثمار تُعدّ مسبقا، فقد يستغرق الأمر عاما، على سبيل المثال، ليتحقق تأثير عدم اليقين – كما حدث في المملكة المتحدة عقب استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي العام 2016. وفرض الضرائب على المدخلات الوسيطة سيضر بالكفاءة، في حين أن نقل الموارد بعيداً عن قطاعات التكنولوجيا المتقدمة الديناميكية لصالح التصنيع التقليدي سيؤدي إلى خفض نمو الإنتاجية، بالإضافة إلى مزيد من الآثار السلبية على الاستثمار. وهذه نتائج لا يستطيع المصرف الاحتياطي الفيدرالي تعويضها بسهولة.

ولذلك فإن أفضل رد على مَنْ يرون أن التداعيات الاقتصادية والمالية لحرب ترامب التجارية ضئيلة على نحو يدعو إلى الدهشة – هو: إن غدا لناظره قريب.

أستاذ في جامعة كاليفورنيا في بيركيلي

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية
اقرأ المزيد

فيديو

معرض الصور