السبت، ٢١ سبتمبر، ٢٠١٩

محليات

العمانية التي عصفت بها الظروف.. من القصر السلطاني إلى قادة الانقلاب التنجانيقي

الأربعاء، ٣٠ يناير، ٢٠١٩ | 22:10

نصر البوسعيدي

إعداد - نصر البوسعيدي

كم هي غريبة هذه الأقدار التي تُكتب للكثير من البشر، هناك من الحكايات والقصص التي تشير إلى أن حياة الإنسان تتبدل بلحظة من حال إلى حال للعديد من الأسباب والظروف القاهرة التي تعصف بالإنسان في حالة يأس وضعف.

هنا سيتفق الكثير وسيعارض الكثير ما حدث لهذه العمانية التي عانت كثيرا لتصل في الأخير ونتيجة للعديد من الظروف إلى بلاط قصر قائد الانقلاب على العمانيين في زنجبار سنة 1964م والذي راح ضحيته الآلاف من الأبرياء عربا وعمانيين وسواحيليين على السواء على خلفية الفتنة التي حدثت بين الحزب الوطني الذي يحمل في غالبيته العرب وحزب الأفروشيرازي بعد استقلال زنجبار عام 1963م من الانتداب البريطاني وهي من كانت تحت حكم سلاطين عمان منذ عدة قرون، والأدهى والأمر أن بعض العرب كانوا مشاركين في هذا الانقلاب كعبد الرحمن محمد المعروف بـ "بابو" الذي كان يعرف هو وأصحابه بالرفاق وكانوا مسؤولين بشكل كبير عن تصفية واغتيال الكثير من العمانيين بشكل غادر وفي مقابر جماعية لا حصر لها.

نتحدث هنا عن سيرة العمانية فاطمة بنت الشهيد محمد بن سالم البرواني التي اشتهرت باسم فاطمة جينجا، وقد ولدت في زنجبار عام 1930م من أبويين عمانيين، وأمها هي شريفة بنت ناصر بن علي البروانية التي ماتت في عز شبابها أثناء إنجابها لطفلها سالم، وكانت فاطمة بعمر السنتين فقط، ووجدت بعدها كل العناية والحب من قبل والدها وجدتها من أبيها شنونة بنت سالم البوسعيدية، وكذلك من قريبتها السيدة نونو بنت أحمد البوسعيدية زوجة سلطان زنجبار السيد خليفة بن حارب البوسعيدي لتجد نفسها طفلة تنشأ وتكبر في القصر السلطاني وسط عائلة تهتم بها وبدراستها وتربيتها كثيرا، فكانت من المتوفقات بالثانوية العامة وحصلت على المركز الأول على مستوى زنجبار.

ومن ناحية أخرى كانت فاطمة تستند بقوة إلى والدها الذي كان من أبرز مثقفي زنجبار بل كان ذا قوة شخصية يشهد لها الجميع من خلال المبادئ التي أصر عليها وقاتل كثيرا من أجلها.

فقد كان من أبرز المتفوقين علميا في زنجبار وسافر إلى بريطانيا مبتعثا من قبل الحكومة الزنجبارية في عام 1938م، وحصل على البكالوريوس في الآداب من جامعة كامبريدج عام 1942م، ومن ثم حصل على الماجستير من جامعة أكسفورد عام 1945م، وعاد بعدها معلما في زنجبار وهناك كان في صدام دائم مع مديره الإنجليزي بالمدرسة فيما يتعلق بطبيعة التعليم والمنهج المقرر للطلبة، ليستمر هذا الصدام لدرجة أن البرواني رفض أن يستلم مرتبه رغم حاجته نتيجة تمسكه بالمبادئ التي يؤمن بها في قضية التدريس، واستمر والدها على مواقفه المدافعة دوما عن زنجبار، حتى حدث الانقلاب المشؤوم ضد الحكم العماني في عام 1964م، وتم فيما بعد اتهامه بمحاولة تشكيل انقلاب آخر من قبل مجموعة الرفاق التي يتزعمها عبد الرحمن بابو بحزب الأمة ليتم حبسه وتعذيبه بكل قسوة حتى تم إعدامه فيما بعد رميا بالرصاص بعدما تم إجباره هو ومن معه على حفر قبورهم بأيديهم، ليغادر هذا الشهيد العماني إلى ربه بعد معاناة شديدة في غياهب السجن والعذاب عام 1965م.

كانت فاطمة البروانية قبل هذه الحادثة متزوجة من رجل أعمال يمني واسمه محمد أحمد الشاجري في عام 1952م، وقد تركت فكرة إكمال دراستها في إنجلترا ما بعد الثانوية من أجل هذا الزواج وأنجبت منه ابنتها شادية، وإيمان، ولكن بعد برهة من الزمن انتقل زوجها إلى مقديشو وأراد أن ينقل البروانية معه، ولكنها رفضت رفضا قاطعا مغادرة زنجبار هي وأطفالها، لذا حدث الطلاق فيما بينهما.

إقرأ أيضاً: سيرة حاكم الشارقة الذي كان يعتز بالوطن عمان " الثائر الشمالي من أجل وحدة التراب العماني"

وبعد فترة تقدم لزواجها العماني سالم بن حمد البرواني عام 1955م، وأنجبت منه ابنها أحمد وعبد الله وصبري وزنيدة، ولكن لم يُكتب لهذا الزواج الاستمرار بعد أحداث الانقلاب لأن زوجها تم سجنه من قبل الانقلابين، وتم طرده من وظيفته التي كان يعمل من خلالها ضابطا في شرطة زنجبار، ولكنه استطاع بعد ذلك الهرب إلى اليمن عام 1966م، ومن هناك حاول جاهدا بعد ستة أشهر أن يدعو زوجته فاطمة وأبناءها لينضموا إليه، ولكن فاطمة رفضت الخروج من زنجبار لأنها كانت المعيل الوحيد لعائلتها بعد الأحداث الدامية خاصة جدتها وأقربائها البالغ عددهم الـ15 فردا، فلم تستطع تركهم لوحدهم أمام خذلان الجميع وهروب الجميع بعد الانقلاب عام 1964م مثلما ذكرنا أعلاه.

عانت فاطمة البروانية كثيرا في هذه الظروف وهي شابة جميلة تفتقر للحماية من الفوضى العارمة التي حدث في زنجبار بعد الأحداث، فلم يكن لديها أي وظيفة بعدما تم طردها منها، وبنفس الوقت حاولت جاهدة أن تتعلم خياطة الملابس والطبخ لتبيع الأطعمة للمارة هي وبناتها لتكسب قوت عيشها في ظروف قاسية جدا كان فيها جميع العرب والعمانيين بين هارب ومثقل بالفقر والأحزان نتيجة استشهاد أحبائهم ورجال عائلاتهم، بل كانت الأوضاع السيئة تسببت بالكثير من الجرائم بحق الأطفال والنساء وكبار السن، وكانت فاطمة وعائلتها تتعرض دوما للتفتيش والإذلال والترهيب من قبل قوات الانقلاب وأتباعهم وخاصة بمن يدعون بالرفاق.

وصل الحال بفاطمة إلى أتعس اللحظات وهي تحمل على عاتقها مسؤولية أبنائها وعائلتها من لا يستطيعون حتى تأمين الخبز كأقل وجبة لهم، فكانت تعمل ليل نهار بالخياطة والطبخ لتستطيع تأمين قوت يومهم لدرجة أنها كانت تضطر لوضع ابنتها شادية ذات الـ 10 أعوام وابنتها إيمان ذات الـ 9 سنوات على قارعة الطريق لبيع الأكلات التي تطبخها على المارة.

لم تستطيع تحمل كل ذلك وهي من تجد نفسها وكأنها وحيدة في مواجهة الانقلابين وأتباعهم لتحاول التأقلم مع الأوضاع القاسية وتنتظر القدر الذي كتبه الله لها.

لقد حاولت فاطمة البروانية أن تشكو حالها إلى الشيخ محمد بن ناصر اللمكي الذي لم يغادر زنجبار وكان يحاول دوما مساعدتها، وفي يوم من الأيام نصحها اللمكي بمقابلة قائد جيش الانقلاب ويدعى يوسف حميد مفتاح أفريقي الأصل لتشكو له ما يفعله جيشه وأتباعه بها من ترهيب وتفتيش مستمر، وبالفعل طلبت مقابلته وتم لها ذلك، فتجاوب معها وقدم لها الوعود بحمايتها، وبنفس الوقت طلب الزواج منها، لتبقى فاطمة حائرة بين سوء الحال وبين هذا الزواج من شخصية اعتبارية في جيش الانقلاب يستطيع حمايتها وحماية أبنائها وبالتالي تتحسن أوضاعها المادية والنفسية.

فوافقت على هذا الزواج بعدما تكالبت عليها كل الظروف في عام 1966م، ليذهب بها القدر نحو قائد من قادة الانقلاب على الحكم العماني والذي تم من خلاله إنهاء حكم السلطان جمشيد بن عبدالله بن خليفة بن حارب بن ثويني بن سعيد بن سلطان البوسعيدي آخر سلاطين عمان في شرق أفريقيا والذي اختار إنجلترا مكانا للإقامة فيها بعد الأحداث حتى يومنا هذا.

وعطفا على ما سبق فقد عاشت فاطمة البروانية في كنف هذا الزواج مدة 14 عاما أنجبت من خلاله منصور وأماني وشريفة وماريسا، ولكنها وبعد كل هذه الأعوام آثرت الانفصال عنه نتيجة زواجه بامرأة أخرى.

والجدير بالذكر أن فاطمة البروانية استطاعت في تلك الفترة من حياتها وباجتهادها أن تؤسس لنفسها ولأبنائها حياة كريمة خالية من المصاعب بعد سنوات عجاف من الألم والعوز والوحدة والخوف تاركة خلفها كل الانتقادات التي تحدثت عنها بسوء نتيجة الأحداث التي أخذتها ناحية قادة الانقلاب وتحديدا يوسف حميد مفتاح بعدما كانت في أيام طفولتها ربيبة القصر السلطاني.

وما هي إلا أيام تتوالى على هذه العمانية حتى تقدم عبيد كارومي قائد الانقلاب وحاكم البلاد بعد ذلك لخطبة ابنتها شادية لابنه أماني كرومي وتم هذا الزواج وأصبح أماني فيما بعد رئيسا لزنجبار منذ عام 2000-2010م، بالإضافة إلى أن ابنها منصور الذي أصبح وزيرا فيما بعد قد تزوج من عائشة ابنة عبيد كرومي الذي كان له زوجة عمانية في الأصل من ضمن زوجاته العديدات وبعضهن مثلما يُحكى تزوجهن بالإجبار.

لقد عاشت فاطمة البروانية حياة مختلفة تماما عن أقرانها، خاصة فيما يتعلق بزواجها قبل الانقلاب وبعده لأكثر من مرة وطلاقها مثل كل مرة وإن طال الارتباط بينهما.

فقد تزوجت عام 1980م من المصري ماهر نجيب الجيزاوي وكان من الأقباط يدين بالديانة المسيحية، ومن أجل إتمام زواجهما أعلن إسلامه، وأخذت تتنقل معه ما بين القاهرة وزنجبار، حتى انفصلت عنه في عام 1982م نتيجة خلاف وقع بينهما فيما يتعلق بديانتهما.

وفي عام 1983م، عادت لتتزوج من طليقها السابق العماني سالم بن حمد البرواني لتنتقل معه للعيش في إنجلترا مدة 10 سنوات متنقلة بين منزلها في زنجبار ومنزلها في بريطانيا حتى ضاق بها الحال لعدم الاستقرار فطلبت الطلاق لينفصلا مرة أخرى وللأبد وتعود إلى زنجبار.

حكاية فاطمة جينجا وحياتها كانت وحتى اليوم مثار جدل للكثير فمنهم من يلومها، ومنهم من يعذر ظروفها خاصة فيما يتعلق بزواجها من قائد جيش الانقلاب ومصاهرة عبيد كرومي لنطوي هنا صفحة في سيرة هذه العمانية وعائلتها واستشهاد والدها ومن معه، ونعكس لكم بعضا من الأوضاع المأساوية التي كانت تعاني منها العائلات العمانية في زنجبار بعد انقلاب عام 1964م، والذي ذهب ضحيته الكثير من الأبرياء.

المرجع : ذكريات من الماضي الجميل، د.آسية البوعلي، الطبعة الأولى 2015م، مطابع النهضة – مسقط - سلطنة عُمان.

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور