إطلاق العنان لأوروبا أو تحجيمها؟

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٥/مايو/٢٠١٩ ١٣:٥٨ م
إطلاق العنان لأوروبا أو تحجيمها؟

كمال درويش

في الفترة من 23 إلى 26 مايو، سيتوجه الناخبون في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي.

وسوف يكون الكثير على كفة الميزان. كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا: «لم يحدث قط منذ الحرب العالمية الثانية أن كانت أوروبا على هذا القدر من الأهمية. لكنها أيضا لم تكن من قبل قَط عُرضة لمثل هذا القدر العظيم من الخطر». الواقع أن القوى التي تتحدى أسس المشروع الأوروبي آخذة في الصعود: أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة، والحكومات الشعبوية في وسط وشرق أوروبا، والأحزاب اليمينية المتطرفة في السلطة أو بالقرب منها في كل مكان تقريبا. ومع ذلك، تلقى أنصار المزيد من التكامل الأوروبي دفعة كبرى بفِعل التصريحات الجريئة التي أطلقها ماكرون، الرئيس الفرنسي الأكثر تأييدا لأوروبا منذ عقود من الزمن. سوف ترسخ الانتخابات المقبلة الانقسام المتزايد الحِدّة بين أولئك الذين يريدون تحجيم أوروبا وأولئك الذين يريدون لها أن تتوسع.

وسوف يلقي البرلمان المجزأ الذي من المرجح أن ينشأ عن هذه العملية المزيد من ظلال الشك وعدم اليقين على اتجاه الاتحاد الأوروبي في المستقبل.
بشكل أكثر عموما، تبدو السياسة الأوروبية جاهزة لإعادة هيكلة أساسية، مع حلول الخلافات حول مدى تكامل الاتحاد الأوروبي محل الانقسام القديم بين أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط.
في عموم الأمر ينظر أولئك الذين يؤيدون تعميق التكامل إلى العولمة أيضا بشكل إيجابي.
صحيح أنهم ربما لا يحبذون أشكال التفاوت الضخمة وأسواق «الفائز يستأثر بكل شيء» التي جلبتها العولمة.
لكنهم يدركون الفوائد المحتملة للأسواق المفتوحة والاقتصاد العالمي، شريطة توفر القدر المناسب من التنظيم. وهم يعتقدون أن أوروبا الأكثر تكاملا لابد أن تملك الثِقَل اللازم لجعل هذا التنظيم ممكنا. على النقيض من ذلك، كثيرا ما يقاوم القوميون المعارضون للمزيد من تكامل الاتحاد الأوروبي العولمة أيضا. فهم يدعون إلى العودة إلى أوروبا الأقل تكاملا التي تتألف من دول قومية ذات سيادة، وتحجيم أنشطة المؤسسات الأوروبية وصلاحياتها. وبعضهم لا يريد الاتحاد الأوروبي على الإطلاق. مع ذلك، ورغم أن الانقسام بين القوميين الجدد و «الأوروبيين» ربما يكون خط الصدع الرئيسي في هذه الانتخابات، فإن الواقع أشد تعقيدا. على أقصى اليمين، على سبيل المثال، يهيمن الدعاة إلى فرض تدابير الحماية، ولكن هناك أيضا أنصار التجارة الحرة الذين يجمعون بين اقتصاديات العمل الحر والمشاعر الخبيثة المناهضة للهجرة.
تشير استطلاعات الرأي إلى أن المجموعات الشعبوية المناهضة لأوروبا واليمينية ستفوز في مجموعها بنحو ثلث مقاعد البرلمان التي يبلغ عدده 751 مقعدا.
وربما يظل حزب الشعب الأوروبي (من يمين الوسط)، وتحالف الاشتراكيين والديمقراطيين التقدمي (من يسار الوسط)، الكتلتان الأكبر في البرلمان، لكنهما سيخسران على الأرجح أغلبيتهما المجمعة الحالية.
ومن المرجح أن يشكل تحالف الليبراليين والديمقراطيين الوسطي من أجل أوروبا الكتلة الأصغر.
ولكن إذا قرر حزب ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» الانضمام إلى التحالف، كما يبدو مرجحا، فإن تحالف الليبراليين والديمقراطيين الوسطي من أجل أوروبا من الممكن أن يشكل مجموعة مهمة، مع أكثر من 13% من المقاعد. وسوف يحتل الخُضر من دول عديدة (وخاصة ألمانيا) الوسط فضلا عن جزء من اليسار، جنبا إلى جنب مع اليسار الأوروبي الموحد/‏اليسار الأخضر الشمالي.
ومثل هذه النتيجة ستجعل من الصعب للغاية تشكيل تحالفات مستقرة، وربما تتسبب في تعقيد عملية انتخاب الرئيس التالي للمفوضية الأوروبية.
وفي الأرجح، لن يتمكن حزب الشعب الأوروبي وتحالف الاشتراكيين والديمقراطيين التقدمي وتحالف الليبراليين والديمقراطيين الوسطي من أجل أوروبا من تشكل أغلبية إلا بالكاد، بل وربما لا تصوت هذه الأحزاب في نفس الاتجاه على أية حال. لابد أن يكون تعزيز تكامل منطقة اليورو على رأس أولويات البرلمان الجديد.
وبدعم من ماكرون، سوف يتولى تحالف الليبراليين والديمقراطيين الوسطي من أجل أوروبا زمام المبادرة في الدفع من أجل إنشاء ميزانية وتنصيب وزير مالية لمنطقة اليورو، فضلا عن تعزيز تنسيق السياسة المالية.
ومن المحتمل أن يكون تحالف الاشتراكيين والديمقراطيين التقدمي مستعدا لدعم شكل من أشكال مثل هذا التكامل، شريطة أن يحمل بُعدا اجتماعيا قويا وربما حتى التأمين ضد التعطل في منطقة اليورو.
لكن إقناع حزب الشعب الأوروبي سيكون أمرا أشد صعوبة، وربما يعارض المزيد من التكامل، وينضم إلى الأحزاب اليمينية المتشككة في أوروبا. حتى برغم أن قضية تكامل منطقة اليورو تحتل مرتبة متأخرة من الأهمية الآن، فإنه يشكل ضرورة أساسية للمشروع الأوروبي. إن تعافي الاتحاد الأوروبي اقتصاديا متعثر الآن، ولن تتمكن سياسة نقدية موحدة للجميع من تحمل عبء سياسة الاقتصاد الكلي بالكامل، ولا ينبغي لها ذلك. والواقع أن أسعار الصرف الثابتة التي لا رجعة فيها والتي أوجدتها منطقة اليورو لا تسمح بسياسات نقدية وطنية، في حين قد يؤدي التباعد الكبير في السياسة المالية إلى اندلاع أزمة من ذلك النوع الذي شهدته دول الاتحاد الأوروبي الجنوبية بالفعل. لهذا، لا يملك المرء إلا أن يأمل أن يعمل ماكرون على إحياء مقترحات التكامل التي تقدم بها في بداية رئاسته وأن يتمكن من إقناع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحزب الشعب الأوروبي بدعمه. وربما تكون ميركل، التي لن تسعى إلى الترشح لولاية أخرى وربما تفكر في إرثها السياسي، راغبة أخيرا في السماح لمنطقة اليورو بالتقدم إلى الأمام.
سوف تشكل سياسة الهجرة تحديا آخر، لأن المتشككين في أوروبا سينضم إليهم الأوروبيون الشرقيون. وعلى هذا فسوف تواجه الأحزاب الوسطية صعوبات جمة في إيجاد الأغلبية والحفاظ عليها، وخاصة بعد تعليق حزب الشعب الأوروبي لعضوية حزب فيدسز الذي يتزعمه رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في شهر مارس. ولكن على الرغم من كل مشاكل أوروبا وتفتتها السياسي، تعكس الانتخابات المقبلة نجاح المشروع الأوروبي: فهناك 28 دولة (على افتراض مشاركة المملكة المتحدة) تشارك في انتخابات عبر الحدود مع أحزاب تمثل عموم أوروبا، وتتقاسم بالفعل قدرا كبيرا من السيادة.
ووفقا لدراسة المسح يوروباروميتر التي تجريها المفوضية الأوروبية، فإن 55% من المواطنين الأوروبيين يعتقدون أن المزيد من القرارات لابد أن تتخذ على مستوى الاتحاد الأوروبي. في هذا الصدد، تُعَد الانتخابات الأوروبية هذا الشهر مشجعة للغاية. فهي في عالم مهدد بأشباح القومية المتطرفة، تشكل تجليا فريدا لإرادة بناء مستقبل مشترك.

وزير الشؤون الاقتصادية الأسبق في تركيا، والمدير السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هو زميل أقدم في معهد بروكينغز