الاثنين، ٢١ أكتوبر، ٢٠١٩

مقالات

دعم السياسة الصناعية الذكية

الأربعاء، ١٥ مايو، ٢٠١٩ | 09:58



داليا مارين

في وقت فائت من هذا العام، كشف وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير عن «الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2030»، التي تهدف إلى حماية الشركات الألمانية من المنافسين الصينيين الذين تدعمهم الدولة الصينية. تحدد الاستراتيجية القطاعات الصناعية الرئيسية التي ستحصل على الدعم الحكومي الخاص، وتدعو إلى إنشاء عمليات إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية في أوروبا، كما تدعو إلى عمليات الدمج لتحقيق اقتصاديات الحجم الكبير. الواقع أن التدابير المخطط لها مثيرة للجدال.

يصف لارس فيلد من المجلس الألماني للخبراء الاقتصاديين الاستراتيجية بأنها انحراف ويتهم ألتماير بالتخطيط المركزي. بيد أنها ليست مناقشة إيديولوجية، كما يقترح فيلد، بل هي مسألة تدور حول ما إذا كانت مثل هذه السياسة الصناعية قد تصادف النجاح.

ورغم أن ليست كل جوانب خطة ألتماير مقنعة، فإن الحجة قوية لصالح الدعم الحكومي للقطاعات بما في ذلك صناعة السيارات التي ستعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي. صحيح أن السياسات الصناعية الوطنية تتمتع في عموم الأمر بسمعة سيئة بين الاقتصاديين، وهو ما يرجع في الأساس إلى أن الحكومات استخدمت هذه السياسات غالبا لدعم «الخاسرين»، وبالتالي الإبقاء على شركات غير قادرة على المنافسة في السوق. وكانت الحجة لصالح هذه السياسات، وخاصة في الدول المتقدمة، أن الصناعات الوليدة تحتاج إلى الحماية من المنافسة الخارجية لتمكينها من النمو والنضج. لكن البنك الدولي خلص منذ فترة طويلة إلى أن هذه السياسات فشلت، وأدار ظهره لبرامج استبدال الواردات في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.

ثم وفر ظهور السياسة التجارية الاستراتيجية في الثمانينيات الأساس النظري لسياسة صناعية نشطة.

في سوق عالمية تامة التنافسية، لن تكون السياسة التصديرية المثلى التجارة الحرة، بل تعريفة تصديرية صغيرة بالقدر الكافي.

لكن الموقف يتغير إذا كانت الشركات تتمتع بقوة سوقية وكانت قادرة على التنافس استراتيجيا بين بعضها بعضا، كما في حالة شركة صناعة الطائرات الأوروبية إيرباص ومنافستها الأميركية بوينج.

هنا، من الممكن أن يؤدي تقديم إعانات الدعم لشركة إيرباص إلى اكتساب الشركة حصة في السوق من شركة بوينج. استخدم ألتماير ونظيره الفرنسي برونو لو ماير مؤخرا هذا الأساس المنطقي للدفع في اتجاه دمج فرنسي ألماني لصناعة السكك الحديدية بين شركتي ألستوم وسيمنز. وقد زعما أن هذا الربط من شأنه أن يؤدي إلى نشوء بطل أوروبي قادر على التفوق على شركة السكك الحديدية الصينية العملاقة CRRC.

لكن حججهما لم تكن مقنعة.

ففي حين أدى دعم إيرباص إلى نشوء منافس إضافي، فإن الدمج المقترح بين شركتي ألستوم وسيمنز كان ليخفض عدد شركات السكك الحديدية الأوروبية.

علاوة على ذلك، أشارت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المنافسة مارجريت فاستاجر، عندما منعت عملية الاندماج، إلى أن شركتي ألستوم وسيمنز نادرا ما تتنافسان مع الشركة الصينية في بلدان ثالثة، لأن الشركة الصينية تركز في الأساس على سوقها المحلية.

وعلى هذا فإن الدمج ما كان ليمكن ألستوم-سيمنز من اكتساب حصة في السوق من الشركة الصينية.

والحجة لصالح التدخل الحكومي أقوى كثيرا في القطاعات التي تقوم على الاقتصاديات الكبيرة الحجم، وحيث يعمل «التعلم من خلال الممارسة» على بناء المعرفة التي تظل باقية حتى بعد انتهاء الدعم الحكومي.

وينطبق هذا بشكل خاص على العديد من القطاعات التي سيعمل الذكاء الاصطناعي على تمكينها قريبا.

كلما ازداد حجم البيانات التي تنتجها شركة أو قطاع، كلما تعلمت أكثر وتحسنت خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تستعين بها.

بسبب حجمها الكبير، تتمتع الصين بميزة تنافسية في هذه القطاعات. وقد أدركت السلطات الصينية هذه الحقيقة واستخدمت إعانات الدولة ببراعة لتعزيز الذكاء الاصطناعي ودعم الشركات المحلية. وللمساعدة في التصدي لهذا التحدي، يجب أن تستجيب ألمانيا وأوروبا بتقديم إعانات الدعم للقطاعات القائمة على المعرفة.

وتُعَد صناعة السيارات في أوروبا مرشحا واضحا لمثل هذا الدعم. ولهذا السبب تعتبر خطة ألتماير لتطوير إنتاج البطاريات الأوروبية للسيارات الكهربائية منطقية، وربما تعمل حتى على التعجيل بنهضة صناعية في مختلف أنحاء القارة. الواقع أن إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية في أوروبا من شأنه أن يجذب المزيد من شركات السيارات وأن يؤدي إلى خفض أسعار السيارات، لأن المنتجين سيحتاجون إلى استيراد عدد أقل من البطاريات من آسيا.

وقد يؤدي هذا النمو بدوره إلى خلق تأثير التكتل الذاتي التعزيز، مع نقل المزيد من شركات السيارات عملياتها الإنتاجية إلى أوروبا حتى تكون قريبة من شركات السيارات الأخرى ومورديها.

وقد شرح بول كروجمان وأنتوني فينابلز الخطوط العريضة لهذه الروابط الارتجاعية والأمامية في مقال معروف قبل أكثر من عشرين عاما.

إن صناعة السيارات الكهربائية الضخمة في أوروبا كفيلة بزيادة الطلب على العمال والتسبب في ارتفاع نصيب الفرد في الدخل الحقيقي.

وكلما ازدادت أهمية خلايا البطاريات للقيمة الإجمالية للسيارات الكهربائية، كلما أصبح تأثير التكتل أعظم قوة. سوف يكون هذا التحول بالغ الضخامة.

فالصين تسيطر حاليا على كامل سلسلة القيمة في مجال السيارات الكهربائية، بما في ذلك توريد الكوبالت، المادة الخام الأساسية في تصنيع البطاريات.

ونتيجة لهذا، تنتج الصين 69% من خلايا بطاريات السيارات الكهربائية على مستوى العالم، وتنتج الولايات المتحدة 15% (في مصنع «جيجا فاكتوري» التابع لشركة تسلا في نيفادا)، وتنتج أوروبا 4% فقط.

ومع ذلك، لا يزال بوسع أوروبا أن تعمل على تطوير إنتاج البطاريات من خلال إعادة تدوير الإلكترونيات القديمة، وتطوير عمليات جديدة لتوفير الكوبالت، واكتشاف رواسب معدنية بديلة.

قد يزعم بعض المراقبين أن أوروبا يجب أن تترك صناعة السيارات في القارة تهاجر تدريجيا إلى الصين، التي يمكنها أن تصنع السيارات بتكلفة أرخص.

ففي نهاية المطاف، يريد المستهلكون شراء سيارات عالية الجودة بشكل معقول بأقل سعر ممكن.

وإذا كان بوسع الصينيين أن ينتجوا هذه السيارات بكفاءة أكبر، وفقا لهذه الحجة، فلنتركهم يفعلون إذن.

ولكن بعيدا عن ردود الفعل السياسية والاقتصادية المعاكسة الضخمة التي قد يولدها مثل هذا القرار في أوروبا، فإن هذا الرأي مفرط في التبسيط.

ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيشكل أهمية مركزية في تحديد مستقبل صناعة السيارات، وسوف يخلف التقدم في هذا المجال تأثيرات إيجابية غير مباشرة في العديد من القطاعات الأخرى. إذا تخلت أوروبا عن صناعة السيارات الأوروبية، فسوف تخسر المعرفة والنمو في المستقبل. ولهذا السبب، كانت الحكومة الألمانية على حق في دعم شركات صناعة السيارات في ألمانيا.

وبعيدا تماما عن كونها من مخلفات التخطيط المركزي الاشتراكي، ربما تكون السياسة الصناعية في بعض الأحيان الاختيار الذكي.

رئيسة قسم الاقتصاد الدولي في جامعة ميونيخ، وكبيرة زملاء البحث لدى مؤسسة بروجل، المركز البحثي الذي يتخذ من بروكسل مقرا له.

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور