الأربعاء، ١٩ يونيو، ٢٠١٩

مقالات

محاربة «الموضة السريعة»

17:52 | الاثنين، ١٠ يونيو، ٢٠١٩

محاربة «الموضة السريعة»



مي الحبشي

يُعرَّفُ مصطلح الموضة السريعة بأنّه « الملابس التي تُصنّعُ في زمن قصير من قبل تجار التجزئة في استجابة لأحدث منتجات الموضة وتوفيرها للمستهلكين بأسعار معقولة. « و على الرغم من أنّ منتجات الموضة السريعة تباع بأسعار في متناول الجميع ، فإنّها تثير العديد من المسائل الأخلاقية من بينها الطريقة التي يُعامل بها عمال مصانع الملابس. وبالإضافة إلى ذلك ، تثير هذه الصناعة مخاوف بشأن تأثيرها السلبي على البيئة بدءًا من طرق التخلّص من الملابس الرخيصة و تلوث الموارد الطبيعية.

و يحرص بعض رواد الأعمال في مصر حالياً على مواجهة هذه المسائل الخلافية من خلال إيجاد حلول تتسم بالاستدامة ومراعاة البٌعد الأخلاقي.

و تُعد نورهان السكوت - مؤسسة وصاحبة ماركة «سكوت» للأزياء المستدامة - من بين رواد الأعمال الذين يعملون على مواجهة هذه الأمور السلبية.

وتقول نورهان: «علينا القضاء على نظام الموضة السريعة. كما يجب على الناس تقليل حجم استهلاكهم من الملابس. «

قد يبدو ما قالته نورهان بالرأي غير متوقّع ، خصوصاً حينما يصدر عن صاحبة شركة تعمل في مجال الأزياء ، إلّا أنّ نورهان تؤمن بخلاف الآراء السائدة بين المشتغلين في هذا المجال. إنها ترى أنه ينبغي أن ينصبّ التركيز في صناعة الموضة على تقديم منتجات عالية الجودة.

وتوضح نورهان هذه النقطة بقولها : «إن أسعار منتجاتي أغلى من أسعار الأزياء السريعة ، و لكن تصميماتي متعددة الاستعمالات و تتسم بتقبُلها لفترة طويلة من الزمن. «

«قصة صناعة المُنتج»

لا يقتصر التسوّق على عاملي الموضة والسعر فحسب، فكثير من النّاس يهتمون كذلك بالكيفية التي صُنعت بها ملابسهم.

ترى جوسلين الخولي، الشريكة المُؤسّسةُ لماركة الأزياء المعروفة باسم «جوزي بوتيك» وهي ماركة تضع في الحسبان الجانب الأخلاقي في إنتاج الملابس ، أن شركات الملابس مسؤولة مسؤولية جوهرية عن إطلاع عملائها عن كيفيّة صناعة المنتجات التي يٌقدمون على شرائها.

وتوضح جوسلين هذا الأمر قائلة :»تقع المسؤولية على عاتقنا نحن - من أصحاب العلامات التجارية في صناعة الموضة - للعمل على نشر الوعي بشأن كيفية صناعة منتجاتنا من الملابس. ويجب على المستهلكين معرفة القصة كاملة عن صناعة المنتج. «

وتعمل جوسلين ، التي قامت مع زوجها عز الدين مختار بتأسيس ماركة «جوزي بوتيك» ، مع العديد من الرجال والنساء في جميع أنحاء مصر لإنتاج ملابس مطرزة بأشكال فريدة ومميزة. ويكمن سرُّ النجاح من وجهة نظر جوسلين في وجود علاقة جيدة بين أصحاب العمل والموظفين.

وتشرح جوسلين هذا الرأي بقولها : «علاقتنا بمن يعملون معنا مثل الشراكة بين طرفين. فنحن لا نضغط عليهم للإسراع في العمل. إنهم يعملون في منازلهم بتأنٍّ وفقا للوقت المناسب لهم ،و في النهاية يقدمون أعمالا رائعة في فن التطريز. إن العلاقة القائمة بيننا هي علاقة أشبه بالتعاون أكثر من كونها علاقة صاحب عمل بموظف.»

وتُثمن نورهان كثيراً على هذه الروح من التعاون ، وتؤمن كذلك بأهميّة دفع أجور مُنصفة للأشخاص الذين ينتجون ملابسها. وعلى الرغم من أن هناك حد أدنى لأجور العمال في مصر ، فإن نورهان تفضل دفع أجور أعلى من الأجور المتعارف عليها في السوق.

وتقول نورهان : «إنني أدفع لهؤلاء العمال كي يعيشوا حياة كريمة .»

و لكن ارتفاع الأجور يعني كذلك ارتفاع التكاليف على المستهلكين. فليس لدى الجميع استعداد لدفع سعر عالِ مقابل ماركة محلية ، ولاسيما في ظل المناخ الاقتصادي الصعب في البلاد.

وتعود جوسلين بالحديث لتوضح : «إننا نعاني بالفعل من هذا الأمر اليوم . ولكن بمجرد أن يعرف المستهلك القصة وراء صناعة الملابس التي نقوم بإنتاجها فإنه سيقدرها بصورة أكبر و يُدرك مدى تميزها وتفردها. «

شراء أقمشة صديقة للبيئة أو منتجة محلياً

إلى جانب مسألة التسعير ، تُعد عملية شراء الأقمشة أمراً هاماً لأي ماركة أزياء تهتم بمسألة الاستدامة و البُعد الأخلاقي. ومن هنا نجد أن مصممي الأزياء من أصحاب هذا التوجه يفضلون الأقمشة الطبيعية مثل : القطن العضوي و الكتان و الصوف ، ولاسيما إذا كانت تُزرعُ بدون استخدام للمبيدات الحشرية و الأسمدة و أقل استهلاكِاً للمياه في زراعتها.

و لكن يجب الاعتراف بأنه ليس بالأمر اليسير أن تحصل على أقمشة طبيعية و عضوية في مصر. وعلى الرغم من الشهرة العالمية التي يحظى بها القطن المصري، فإنّ كثير من المصنعين المحليين يستعيضون عن القطن المصري بالقطن المستورد في إنتاجهم.

تسعى نورهان إلى الاعتماد على الأقمشة الطبيعية المنتجة محلياً ، ولكن سعيها لا يتكلّل دائماً بالنجاح.

وتشير نورهان لهذه النقطة بقولها : « أتمكن أحياناً من العثور في السوق على القطن والكتان المنتجين بنسبة 100% محلياً، وأحياناً أخرى لا أتمكن من ذلك. «

ولهذا السبب ، تعتمد نورهان في الأغلب على استخدام الأقمشة المخلوطة، وهو أمر ذو أهميّة أيضًا لدعم الحرف اليدويّة المحلية.

وتتابع نورهان : «مشكلتنا في الوقت الحالي تكمن في خلق فرص عمل في مصر ، لذا فإن استخدام ما هو متاح في السوق يساهم في الحفاظ على تراثنا وحرفنا. إن منهجنا في العمل لا يتسم بضيق الأفق بمعنى أن الأمر لا يعني التوقف حال عدم توافر كافة المتطلبات. «

وتواجه جوسلين نفس المشكلة التي تواجهها نورهان في عملها ، حيث تقول : «يتطلب الأمر جهداً كبيراً للحصول على نوع و جودة الأقمشة التي تريدها، ولكن عليك بالمثابرة وطرق جميع الأبواب .»

وبغض النظر عن هذه المشكلات ، تشهد صناعة الأزياء المستدامة نمو مستمراً في جميع أنحاء العالم و كذلك في مصر. وعلى الرغم من أن مصر تأخّرت في تبني عامل المستدامة في صناعة الأزياء ، فإن هذا التوجه بدأ ينمو بوتيرة ثابتة في الوقت الحالي ، حيث أصبح الناس أكثر وعياً بأهمية شراء منتجات تأخذ في الحسبان البُعد الأخلاقي.

و من ثم ، نجد أن الاستدامة لم تعد أمراً اختيارياً ، بل أصبحت ضرورة في عالم اليوم الذي يتغير بوتيرة متسارعة .

و اختتمت نورهان تعليقها قائلة : «يتعيّن على أي نشاط جديد يدخل السوق أن يضع عامل الاستدامة في الحسبان، وهو أمر أصبح العالم اليوم يتوجه إليه بصورة كبيرة. قد تكون فكرة الاستدامة جديدة نسبياً في مصر ، لكنه باستطاعتنا ليس فقط أن نسد هذه الفجوة بل و نتجاوزها بصورة سريعة. «

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور