الاثنين، ٢٣ سبتمبر، ٢٠١٩

مقالات

نهضة بريطانيا بعد ترامب وبريكست

الثلاثاء، ١١ يونيو، ٢٠١٩ | 09:27



جوردن براون

بعد ثلاثة ايام من الاحتفالات الفخمة والتي اعطت انطباعا بإن بريطانيا لم تتغير ، غادر ترامب لندن ولكن تحت ستار الأبهة والفخامة ، فإن بريطانيا تجد نفسها منشغلة ليس فقط ببريكست معطًّل والجدل الذي لا ينتهي حوله ، بل ايضا بأزمة هوية أكثر عمقا أي النضال من اجل اعادة استكشاف ماذا يعني أن تكون بريطانيا.

ان هناك مفارقة قاتمة تتمثل في أنه خلال هذا الاسبوع تحل الذكرى الخامسة والسبعون ليوم انزال نورماندي والذي كان بمثابة البداية لتحرير اوروبا من الفاشية .ان حزب المحافظين الحاكم يبدو مصمما على نبذ أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي معلنا بريكست بدون اتفاق والخروج من الاتحاد الاوروبي بتاريخ 31 اكتوبر وهذه النتيجة تعتبر بمثابة اعلان حرب اقتصادية على جيران بريطانيا في القارة الاوروبية . ان بريطانيا التي كانت تفخر دائما بكونها براجماتية ومتسامحة وغير منحازة تخاطر برعاية شكل عدائي وغير متسامح ومنعزل من اشكال الوطنية .

لقرون عديدة كان وضعنا كسكان جزر يجعلنا نتطلع للخارج كمستكشفين وتجار ودبلوماسيين ولم نكن ننظر للقنال الانجليزي كخندق بل كطريق سريع .

لقد كنا من اوائل الدول التي مارست التسامح السياسي فقبل الثورة الامريكية بزمن طويل اعترف الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو ( ربما بتردد) ان بريطانيا كانت من الدول الرائدة في فكرة الحرية المعاصرة وفي القرون التي تلت ذلك لعبنا دورا قياديا فيما يتعلق بأهم صفة من صفاتنا الوطنية وهي طبقا لونستون شيرشيل «اللعب النظيف».

لكن الصعود الكبير لحزب بريكست بقيادة نايجل فاراج المعادي لاوروبا ونجاحه في وضع الشروط لاختيار رئيس الوزراء المحافظ المقبل جعل بقية العالم يتساءلون ما الذي حدث لبريطانيا المعتدلة والمنطقية والغير ايدولوجية والتي كانت تشتهر بنزعتها التجريبية واعتقادها بالتغيير التدريجي عوضا عن التغيير الثوري.

إن فاراج وزعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبين وترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشتركون في رغبتهم العنيدة بتدمير اي مؤسسة عالمية أو اوروبية بشكل لا يعكس القيم البريطانية التقليدية . ان فاراج يحدد الوطنية على اساس كونها وطنيتنا ضد الاخرين وهي ترتبط باستهداف وشيطنة المهاجرين والاوروبيين والمسلمين. إن فاراج يعيد تعريف بلدنا كبلد منغلق على نفسه ويكره الاجانب مما يعني اختطاف تاريخنا وماذا يعني ان تكون بريطانيا.

طبقا لمذكرة مسربة تتكون من 14 صحفة ، يخبرنا اكبر موظف حكومي بريطاني ان بريكست بدون اتفاق يعني ان الاسعار سترتفع بمقدار 10% وسيتبع ذلك ركود ولا يمكن استبعاد حصول اضطرابات وبالاضافة الى ذلك يمكن ان تنهار التسوية السلمية في ايرلندا الشمالية بالاضافة الى ان الاتحاد مع اسكتلندا قد يكون في خطر ولكن بفضل فاراج- والفكر الفاراجي الذي استحوذ على حزب المحافظين الحاكم- فإن ايذاء النفس اقتصاديا بهذه الطريقة وبشكل يتعارض بشكل واضح مع المصلحة الوطنية يتم تصويره على أنه تمجيد للوطنية البريطانية.

إن الوطنية ذات الأفق الضيق لا تعتبر مرضا بريطانيا فقط ففي طول الغرب وعرضه فإن الكثير من العامة ينظرون للعولمة على انها تفتقد للقيادة وللنزعة الانسانية وكأنها قطار مندفع لا يمكن التحكم به. يتوجب الان على القادة المعتدلين في كل مكان ان يتعاملوا ليس فقط مع الاستياء الاقتصادي لملايين الناس الذين يشعرون بالخسارة ولكن ايضا مع التشاؤم الثقافي والنظرة للسياسيين على انهم اناس يهتمون فقط بمصالحهم وهي امور تصب في مصلحة الوطنية الشعبوية التي يرَّوج لها انصار ترامب مثل ستيفن بانون ومن هم على شاكلته . ان الذي يجعل الامور اسوأ بكثير بالنسبة لبريطانيا هي سلسلة الاخطاء الجسيمة في التقديرات السياسية خلال وبعد حملة استفتاء سنة 2016 وبينما شنت حملة التصويت للبقاء في اوروبا المهزومة حملة اقتصادية تركًّزت على الخوف من فقدان الوظائف بسبب الخروج من الاتحاد الاوروبي، شنت حملة الخروج من الاتحاد الاوروبي المنتصرة حربا ثفاقية من خلال المبالغة في المخاوف المتعلقة بالهجرة والتركيز على حاجة البريطانيين الوطنيين «لاستعادة السيطرة».

لم يسمع الناخبون بالطرح الوطني من اجل البقاء في اوروبا الا بشكل عابر كما لم يسمعوا الطرح بإن بريطانيا تكون مخلصة لنفسها فقط عندما تتطلع للخارج بدون ان تنغلق على نفسها وبأن مهمتنا البراجماتية هي ان نلعب دورا قياديا في اوروبا وليس ان نتركها .

في أعقاب تصويت سنة 2016 ، فإن اي مجموعة من القادة بخلاف اولئك الموجودين في السلطة كانوا سيقودون نقاشات وطنية من اجل تذكير البريطانيين بإن هذا الشكل غير المتسامح والانعزالي من الوطنية لا يعبًّر عن القيم البريطانيه بل يرفضها ولكن هذه النقاشات لم تحدث على الاطلاق. والان ومع انهيار حكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي ووصول البرلمان لطريق مسدود فلقد كشف بريكست عن ازمة عميقة جدا لا يمكن معالجتها من خلال الوسائل التقليدية سواء بتغيير السياسة أو القائد أو الحكومة وكما هو الحال في ديمقراطيات تمثيلية اخرى فإن الثقة الضعيفة فعلا بالسياسة يتم تقويضها بشكل اكبر بسبب ان الاحزاب السياسية لم تعد تقوم بدورها التقليدي المتمثل في تجميع الرأي العام والبناء على توافق قوي ومستنير ولقد حل مكانها الفيسبوك وتويتر وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت انطباعا زائفا بالديمقراطية المباشرة والتي يتواصل فيها القادة مع رعيتهم على قدم المساواة . ان الانترنت على افضل تقدير يروًّج لمعركة في الصراخ بدون وجود محكم وعلى اسوأ تقدير هو بمثابة غرفة الصدى التي تعزل المستخدمين وتضخًّم اكثر الاراء تطرفا.

ربما يستغرق الامر سنوات قبل اعادة تشكيل النظام الحزبي ولكن حتى يحين ذلك الوقت يجب علينا ان نحاول بناء ديمقراطية مستنيرة بشكل اكبر . إن عمل سلسلة من مجالس المواطنين على سبيل المثال يمكن ان تجمع عينة من الناخبين وذلك من اجل الاستماع للحقائق واستجواب الخبراء وتحدي الاراء الخيالية . إن مثل تلك المجموعات والتي ستدرس بعناية القضايا المطروحة تمثل افضل وسيلة للتوصل الى توافق على مستقبل بريطانيا الاوروبي قبل عقد استفتاء ثان.

لقد كان من الممكن ان تستفيد المملكة المتحدة من بعض الوقت للتفكير العميق قبل حدوث التصويت سنة 2016 ولكن لم يفت الأوان بعد وأنا متأكد أنه لاحقا لمثل تلك العملية فإن الشعب البريطاني سيجد نفسه في بلد اكثر تسامحا وعدالة وانفتاحا من البلد الذي يريده المتطرفون والذين يدًّعون انهم يتكلمون باسمنا .

رئيس وزراء بريطانيا سابقا

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور