الأحد، ١٥ ديسمبر، ٢٠١٩

مقالات

الحوار والاتفاق صناعة رجال السلام

الخميس، ١٨ يوليو، ٢٠١٩ | 15:33



منذ أن بدأت مشكلة المفاعل النووي الإيراني بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والغرب والولايات المتحدة الأميركية ، كانت عمان تراقب عن كثب ، ولم تستسغ العقوبات الدولية التي فرضت على الجمهورية الإيرانية كونها دولة جارة اسلامية تربطها بسلطنة عمان علاقات تاريخية وحضارية ، فحرص جلالة السلطان على أن يكون الحوار هو المنفذ الوحيد للحل ولقد تابع رجل السلام وصاحب النهج السلمي الموضوع أولاً بأول إلى أن بدأت أول مباحثات دولية وبدأت المباحثات بين الجمهورية الإسلامية والغرب والولايات المتحدة ...

وجلالة السلطان لديه همة عالية يستطيع أن يتعامل مع القضايا الكبرى والمعقدة ، وهذه الهمة دفعته للمساعدة والمساهمة في العمل على وقف الحرب العراقية الإيرانية. وفي إعادة مصر إلى الدائرة العربية بعد كامب ديفيد وأخيراً في المصالحة الأمريكية – الإيرانية على تعقيداتها .

كان ولا يزال السلام الإقليمي ضمن أجندة السلام السلطانية التي يحتفظ بها جلالة السلطان ، ويعمل على إرسائها وتحقيق بنودها ، وكرس لها جزءًا من وقته ، فلقد كانت إيران دولة مسلمة جارة تربطها بعمان علاقات تاريخية ، ومعاهدات صادقة وسياسة جلالة السلطان لم تتغير قبل الثورة الإيرانية أو بعدها، فحِنْكة رجل السلام تقوم على أننا نوثق علاقاتنا بالشعوب ، وليس بالحكومات والأفراد ، وخيارنا دائماً الدول وليس الأفراد ...

فمنذ أن انطلقت عام 2012 م المحادثات بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، كان الأمر تسوده السرية ، وكان ذلك بهدف الوصول إلى اتفاق سيعلن عام 2015م ، وكانت الجولة قبل الأخيرة والحاسمة قد عقدت بمسقط مدينة السلام وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني والأمريكي باراك أوباما يجدان في جلالة السلطان وسياسته المتزنة مع الجميع الملاذ الأمن لإخراج اتفاقية تاريخية تجنب المنطقة ويلات الحرب ، ويرجع ذلك إلى أن عمان تربطها بإيران علاقات تاريخية لم تتنازل عنها سلطنة عمان يوما ما ، ولم تتخل إيران أيضاً عن عمان إبان حرب ظفار ، بل ساندتها عبر اتفاقية عسكرية أمدت عمان على أثرها بالجنود والسلاح ...

أما دول مجلس التعاون فإنها تنظر إلى دور عمان على أنه دور حيوي ومهم لا غنى عنه في المفاوضات التي يشار إليها بـ : 5+1 ، وكانت سياسة جلالة السلطان واضحة في تحركها من البداية السرية ثم السرية ثم السرية ولأن التحرك العماني بنهج جلالة السلطان يمثل لكافة الأطراف الثقة ، فقد ساعد ذلك على تجاوز كثير من المخاوف لدى الطرفين ولقد قام الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العماني بدوره على أكمل وجه وسيطاً محايداً بكل أمانة وموضوعية مما أثمر بعد ذلك بتوقيع الاتفاقية .

ولقد كانت للزيارة التاريخية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 2013م ، تحمل في طياتها رسالة سلام للمنطقة ، فقد كانت على رأس المباحثات بين جلالة السلطان والرئيس الإيراني حسن روحاني بند للمقاربة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العمل للتوصل إلى اتفاق حول الملف النووي الإيراني فالجميع يعلم نهج جلالة السلطان ، وطهران لم تنس الموقف الحيادي الذي تبنّته السلطنة خلال الحرب الإيرانية – العراقية ، كما أن واشنطن لم تنس الدور الذي لعبته السلطنة في المصالحة العربية – الإسرائيلية عام 1990.

ولم يزل ملف المفاعل النووي الإيراني مشتعلاً ، وبقيت المحادثات في طي الكتمان والعمل لإيجاد صيغ مشتركة وتوافقية خلال فترة من الزمن ، إلى أن جاء الرئيس الإيراني حسن روحاني لزيارة عمان ، وبعد ذلك تلقى رسالة أمريكية في شهر أغسطس وعليها توقيع الرئيس أوباما ، وأراد الأمريكيون الإفصاح ، فجرى استمهالهم ، وكانوا يريدون ذلك حين زار روحاني نيويورك لحضور جلسات الأمم المتحدة ، ولكنهم أي الإيرانيين تذرعوا بعدم نضج الظروف حتى للمصافحة مع الأمريكيين الذين أثبتوا أنهم غير صبورين ، وعليه استبدلت المصافحة بمكالمة هاتفية كان أوباما طرفها الأول وفي الطرف الآخر الرئيس روحاني ، وكان السلطان قابوس عندها أدرك أن جهوده تثمر ، وأن الطرفين يتقدمان وانعقدت على طريق القناة السرية والاتصالات إلى ما قبل مكالمة أوباما خمس لقاءات أمريكية – إيرانية ، وبقيت كل المضامين على الكتمان إلى أن رغبت الولايات المتحدة التسريب وبعدها تم توقيع اتفاقية الملف النووي الإيراني وكانت مسقط إحدى محطات هذ الاتفاق التاريخي الذي أشاد به الجميع .

كانت النزاهة في دور الوساطة العمانية وتقريب وجهات النظر عبر التشاور مع إيران تارة والولايات المتحدة تارة أخرى، ومع مجموعة الخمس عندما تقتضي الحاجة ، مما أوجد مرونة وتفهماً من الجميع حتى وصلت المفاوضات إلى تفاهم تام.

وعندما يأتي الحديث عن الدور العماني في التوصل إلى الاتفاق المبرم بين إيران والغرب ، والذي جنب المنطقة حرباً كانت على وشك الانفجار ، حسب تصريحات العديد من المراقبين ، نجد أن العلاقات العمانية الإيرانية ليست وليدة اللحظة ، بل استمرت منذ أيام الشاه ولم تتأثر بمجيء الثورة الإسلامية إلى الحكم سنة 1979م ، ونستطيع أن نقول إن هذه العلاقات قد تعرضت للاختبار الأول ، حين دعمت دول الخليج العراق في حربها ضد إيران بينما احتفظت مسقط بعلاقاتها مع طهران ...

هذا الإدراك العماني لما خفي من علاقات الغرب مع إيران تدركه عمان وتستثمره وتبني عليه ؛ لأنها لا تنطلق من الصفر أو العدم وإنما تبني على أساس صريح وواقعي . وتدرك سلطنة عمان – وهي تتوسط بين الغرب وإيران وخاصة مع الولايات المتحدة – أن مهمتها صعبة وأن المشوار لا يزال طويلاً ما يتطلب من العمل على إيجاد تسوية دائمة وشاملة لتحقيق السلام .

وهي دعوة تؤكد على حرص وتمسك الدولة العربية بالسلام كخيار استراتيجي ومنطلق للتعايش السلمي بين الدول العربية وإسرائيل .

*عضو مجلس إدارة جمعية الكتاب والأدباء فرع محافظة ظفار

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور