الاثنين، ١٦ ديسمبر، ٢٠١٩

مقالات

سحر الأغنية الوطنية قديمًا وحديثًا

الأحد، ٤ أغسطس، ٢٠١٩ | 11:06

أحمد المرشد

أواصل اليوم سلسلة كتابات عن قصص الأغاني وحكاياتها وما إذا كانت عبرت عن حالة شخصية سواء للمؤلف أو المطرب والمطربة أو الملحن، وأيا كانت الحكاية والرواية فقد تكون الأغنية تجسيدا لقصة حقيقية بداية من الكلمة والأداء واللحن وهو ما سنتطرق إليه لاحقا، ولكننا نبدأ اليوم بالأغنية الوطنية وهي بالتأكيد لا تأتي سوي تجسيدا لحالة معنوية يمر بها الشعب – أي شعب- استلزم الموقف حينها بث تلك الأغاني لرفع معنويات الشعوب لتجعلها متحمسة لتقبل ما يمر به الوطن سواء حرب أو تحركات سياسية فارقة في تاريخ الأمم.

والأغنية الوطنية ليست بدعة حديثة العهد عند الشعوب، لأنها قديمة قدم التاريخ نفسه، إذ يروي التاريخ أن الشعوب قديما كانوا يعزفون موسيقي ترتبط بهم في وقت المحن والشدائد أو ذهاب جيش القبيلة الي قتال قبيلة أخري أو في حالة الذود عن أرض القبيلة، وتقول بعض القصص أن نسوة القبيلة هن اللاتي كن يعزفن تلك الموسيقي نظرا لانشغال الرجال في أرض المعركة. فالموسيقي هنا حتى وإن ارتبطت بكلمات فهي تشارك في شحذ همم الرجال وشباب القبيلة آنذاك لتحفز الجميع علي المشاركة في الحرب وعدم التخلف عنها.

وكمثال للأغنية الوطنية النشيد الوطني لكل دولة في العالم، فنري الموسيقي تعزف مثلا أثناء مراسم استقبال ملك أو رئيس دولة أجنبية، وحتي لو ربطنا هذا بالبروتوكول فثمة قيمة أخري للنشيد الوطني لكل دولة وهو ما يظهر جليا في المبارايات الدولية التي يشارك فيها المنتخب الوطني لهذه الدول أو تلك، فنري اللاعبين يضعون أياديهم علي صدورهم ويرددون كلما النشيد الوطني ومعهم جمهورهم الذي لا يفارقهم، بل أن الجمهور نفسه أحيانا ما يلجأ للنشيد الوطني لتحفيز لاعبيه علي تحسين مستوي أدائه في الملعب أو لدفعه لتقديم أقصي ما لده من جهد.

وقبل أن أتحدث عن الأغنية الوطنية أو الحماسية في مصر تحديدا التي يكتب لها الريادة في هذا المضمار، لا يفوتني هنا الإشارة الي المطربة اللبنانية جوليا بطرس، فهي من أكثر مطربات العصر أداء لمثل هذه الأغاني، فشدت بأكثر من أغنية وطنية لوطنها لبنان إبان انسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق الجنوب عام 2000، وبعدها بشهور كان صوتها هو العامل المشترك في كل إذاعات فلسطين مع بداية انتفاضة ( سبتمبر 2000) عقب فشل مفاوضات الفلسطينيين والإسرائيليين في مدينة كامب ديفيد الأمريكية برعاية الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون، والقصة معروفة فقد اقتحم الإرهابي الإسرائيلي أرئيل شارون – رئيس الوزراء لاحقا – المسجد الأقصي مما تسبب في غضب سكان القدس الشرقية لتندلع الانتفاضة في قطاع غزة والضفة الغربية وهي الأحداث التي بدأت باغتيال الطفل محمد الدرة، وكان صوت جوليا بطرس هو المحفز الأول للشباب الفلسطيني علي المشاركة في هذه الانتفاضة التي لم تهدأ إلا بعد سنوات. فكانت أغنية «وين العرب وين» الشرارة التي ألهبت الحماس الفلسطيني من كافة الأطياف والتوجهات لمواجهة الجيش الإسرائيلي بأعتي أسلحته ودباباته وطائراته، ويكفي أن تبث أي إذاعة فلسطينية هذه الأغنية صباحا حتي تري الشباب متوجهين بالألاف الي مواقع الاشتباكات مع الجيش الإسرائيلي.

أما الذكري الأبرز للأغنية الوطنية المصرية فترتبط تحديدا بثورة 23 يوليو هي أكثر المناسبات التي غني لها المطربون، حتي أن بعضهم عرج الي مدح مفجر تلك الثورة وهي جمال عبد الناصر باعتباره زعيم الأمة ومفجر القومية العربية، ويعد ناصر من أكثر الرؤساء المصريين الذين غني لهم مطربو مصر وعلي رأسهم عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فكان عبد الحليم وفريقه المكون من الشاعر صلاح جاهين والملحن كمال الطويل هو صاحب السبق في أداء أغنية وطنية لكل مناسبة تقريبا مرت بها مصر وقت حكم عبد الناصر. ولهذا يعد عبد الحليم في أذهان المصريين مطرب الثورة إذ جسدت أغانيه وجدان شخصية الشعب المصرى، وكانت الكلمة واللحن وسيلة حماسية في التأثير بشكل إيجابي علي المصريين وتجعلهم يتقبلون بصدر رحب كل قرارات الثورة أو قرارات ناصر لو شئنا الدقة.

وبما أن الأغنية الوطنية لها تأثير كبير علي الشباب وحثهم علي حب وطنهم، فهي تعد تجسيدا للتاريخ، وثمة بعض المؤرخين الذين يحبذون كتابة تاريخ الأوطان من خلال الأغنية والوطنية وتطورها ومتي نشطت ومتي تراجعت أهميتها، وهي بالتأكيد تعد معيارا للحالة الوطنية في البلاد خاصة في وقت الحروب، فهي تلعب دورا مهما وترفع الحالة المعنوية لدي الشعوب، وللدلالة هنا نشير الي قيمة أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ليس في الشعب المصري فقط ولكن لدي كل الشعوب العربية، فقد تركت بصمة كبيرة في حياة المصريين والعرب.

وتعد الكلمة من أهم مقومات الأغنية الوطنية، فلولاها لن تجد مستمعين، بالكلمة هي التي تداعب عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، ثم يأتي دور الموسيقي التي تبث الحماس والوطنية في النفوس، ثم ثالثا وأخيرا من يغنيها سواء كان مطرب أو مطربة، ومن هنا نجح الثلاثي صلاح جاهين مؤلفا وكمال الطويل ملحنا وعبد الحليم حافظ مطربا، فكم ألهبت ابداعاتهم حماس الشعب المصري والعرب وخلقت جوا حماسيا في أوقات الحروب، فتوحد الشعب وراء قيادة عبد الناصر، وإذا كان العدوان الثلاثي هو بداية نكسات مصر للنيل من زعيمها، فالأغنية الوطنية وقتها خلقت رابطا قويا بين ناصر وشعبه فوقف بجانبه وآزره وسانده فخرج ناصر بعدها منتصرا ولو نصراً سياسيا ومعنويا، والأغنية هنا كان لها مفعول السحر في هذا النصر، ولهذا نشطت الأغنية الوطنية في عهد ناصر لأنه أدرك أهميتها له ولشعبه وللعرب، فكان عصره هو العصر الذهبي لهذا النوع من الأغاني حيث شهدت تألقا لا نظير له من كافة المطربين وعلي رأسهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم الذي كان له النصيب الأكبر من تلك الأغاني إذ قدم لوحده نحو 67 أغنية عبرت كلماتها عن الفرح بنجاح الثورة وانتصاراتها ثم انتصار حرب اكتوبر، ومن أشهر أغانيه العالقة في ذهن الجماهير:»صورة - يا جمال يا حبيب الملايين -ناصر يا حرية- احنا الشعب – بالأحضان - حكاية شعب -موال النهار - ابنك يقول لك يا بطل هات لي النهار- صباح الخير يا سينا- و أحلف بسماها وبترابها- اضرب – السد العالي وغيرها». ولم يكن عبد الوهاب وأم كلثوم وحليم وحدهم البارزين في هذا المضمار إذ شاركهم تقريبا كل المطربين والمطربات المصرية وقتها.

وإذا كان عبد الحليم هو مطرب ثورة يوليو، فسيد درويش هو رائد الأغنية الوطنية في مصر إذ بدأ بأغنية الأِشهر «قوم يامصري» لتكون ملهمة ثورة 1919، وتلاها بنشيد «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي» الذي أصبح النشيد الوطني لمصر.

في النهاية، يلعب الفن دورا مهما في حياة الشعوب، فهو يوثق اللحظات التاريخية المهمة للأوطان و يقف كسد منيع في مواجهة النكسات حتي تأتي الانتصارات ليكون شاهدا عليها.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور