الخميس، ٢١ نوفمبر، ٢٠١٩

مقالات

آخر حكام اليعاربة.. من ركام الفتنة حتى شرف الشهادة

الخميس، ٨ أغسطس، ٢٠١٩ | 10:37

نصر البوسعيدي

نشبت الحرب الأهلية بسبب الوصاية على طفل صغير، وأصبح الجميع يحارب ويقتل الآخر طمعا في السلطة باسمه، لتدخل عمان في نفق مظلم مليئ بالتعصب والانتقام.

في سنة 1131هـ وتحديدا حينما مات الإمام سلطان ابن قيد الأرض سيف بن سلطان اليعربي أعظم حكام اليعاربة في الجهاد ضد المستعمر البرتغالي، اختلف كبار القوم فيمن يخلف سلطان في الحكم، فابنه سيف الصغير لا زال طفلا لم يبلغ الحلم، وأصحاب الرأي المتشدد يريدون أن يعلنوه حاكما على عُمان، ولا أعلم على أي منطق استند المتعصبون لهذا الرأي الذي خالفوا به العقلاء صراعا على السلطة، فالعقلاء كانوا يميلون كل الميل لمبايعة مهنا اليعربي، وهو زوج أخت الإمام المتوفي، لكفاءته ومقدرته على إدارة شؤون البلاد.

هنا كان الخلاف الجوهري الذي بسببه نشبت حرب أهلية ذاق فيها أهل عمان كل الويل، فأصحاب الرأي المتعصب من أجل سيف كانوا أكثر تشددا من المعارضين والمناصرين لمهنا، فدارت مناوشات كبيرة بين أهل الحل والعقد في ذلك وكادت أن تسفك الدماء لحظتها، حتى تراجع بعض كبار القوم وتلاعبوا بلفظ المبايعة عن طريق القاضي عدي بن سليمان الذهلي فأوهم خصومه بأنهم قد بايعوا سيفا ليتفرق القوم مهللين بإمامهم الجديد.

وبعدما هدأ الحال وبعد عدة أشهر، انقلب هؤلاء العلماء وبايعوا في نزوى مهنا اليعربي حاكما على عُمان اعتقادا منهم بأن ذلك لن يواجه بردة فعل قوية خاصة وأن الإمام مهنا كان يسير بالبلاد بسيرة حسنة.

وحدث ما لم يكن في الحسبان، فقد أصبح الطمع على السلطة من قبل البيت اليعربي نفسه شاخصا بكل سهولة للمناداة بحكم سيف وبالتالي الوصاية عليه، فكانت البداية حينما مال عدد كبير من العامة وكبـار القوم نحو إشعال فتيل الحرب لإعادة الشرعيــة حد زعمهم للإمام الصغير بقيادة يعرب بن بلعرب اليعربي، فكانت بداية الأحداث من الرستاق لينطلق منها المعارضون وعلى رأسهم يعرب متجهين لمسقط التي دخلوها خلسـة وانتزعوها من سلطة مهنا الــذي انسحب متوجها إلى الرستاق ليجمع المناصرين، ولكنه تفاجئ بأن الجميع قد مالوا لخصمه الذي عاد من مسقط محاصرا الرستاق لإنهاء مسألة الحكم.

اضطر مهنا للاستسلام وتسليم نفسه بعد إعطائه الأمان، ولكن تم الغدر به وقتله في السجن ليخلوا الأمر ليعرب الذي أعلن أنه وصي على الطفل الصغير الإمام القادم لعمان.

بعد ذلك أعلن توبته من أحداث الرستاق وقتل مهنا، واستطاع أن يستميل بعض الشخصيات المعروفة كالقاضي عدي بن سليمان الذهلي ليبايعوه على ملك عمان عام 1134هـ.

ولكن الفتنة التي كانت مشتعلة من أجل السلطة لم تهدأ بين أفراد البيت اليعربي، فثار يعرب بن ناصر خال الطفل ومعه حشود من بني هناءة على خصمه يعرب بن بلعرب ، فبدأ الانقلاب في الرستاق وسيطر عليها بعد معركة شديدة مع والي الإمام يعرب الذي كان في نزوى، وذهب نتيجة حرب الرستاق كثير من الضحايا الأبرياء.

أما الإمام وقاضيه الذهلي وأتباعه حاولوا إنهاء الفتنة في الرستاق ولكن الأمر خرج عن نطاق سيطرتهم، ليذهب القاضي عدي بن سليمان الذهلي إلى الرستاق محاولا إقناع الناس بالولاء للإمام، ولكنه فشل وتم القبض عليه وإعدامه والتمثيل بجثته!

بعدها توجه يعرب بن ناصر إلى نزوى لإنهاء سلطة الإمام يعرب نهائيا، وطلبوا منه أن يترك قلعة نزوى ويستسلم، فاشترط الإمام يعرب بن بلعرب أن يترك كل ذلك على شريطة أن يقيم في قلعة جبرين بسلام، فتم له ذلك وخلع نفسه من السلطة مفضلا الانسحاب وفق الشروط المتفق عليها لتدين البلاد جميعها لسلطة الحاكم الجديد يعرب بن ناصر الذي أعلن أنه الوصي على سيف بن سلطان الصغير وسيحكم البلاد كلها وعلى الجميع أن يمتثل لطاعته.

ومن قلعة نزوى بدأ حكمه واستقبال وفود كبار القبائل التي أتت لتقديم الولاء والطاعة ومنهم زعيم قبائل بني غافر الشيخ محمد بن ناصر الغافري، ولكن الحاكم الجديد لم يحسن احترام وتقدير مكانة هذا الشيخ، فأهانه وأغلظ في الحديث معه، وما هي إلا ساعات حتى أعلن الغافري الانقلاب على يعرب وإعلان الحرب بينهما، لتنطلق بعدها شرارة الحرب الأهلية القاسية جدا على أهل عُمان بين الغافرية والهناوية الذين كانوا يدعمون نفوذ يعرب بن ناصر منذ بداية الانقلاب.

أخذ البلاء يتصاعد وطبول الحرب تقرع في كل حين، واستغل الشيخ محمد الغافري حالة الإمام السابق المخذول يعرب بن بلعرب فتحالف معه لحرب عدوهما وأتباعه الهناوية الذين كانوا بقيادة خلف بن مبارك الهنائي الملقب بالقصير.

كانت المصيبة على أهل عُمان كبيرة لأن الخصوم لديهم أتباع كثر وبالآلاف وفي كل جزء من البلاد، وبالتالي أصبحت الحرب الأهلية بكل بشاعتها تأكل الأخضر واليابس ومن خلالها سقط آلاف الضحايا في مختلف مدن عُمان.

مالت الكفة للغافري محمد بن ناصر وأصحابه وحليفه يعرب بن بلعرب الذي كان مريضا، فدخلوا نزوى بعد حروب شديدة وتم احتلالها، بعدما هرب بلعرب بن ناصر إلى الرستاق يجمع الحشود بدعم من الهناوية، وبعد معارك عديدة بين الطرفين تمكن محمد الغافري من احتلال الرستاق بعد مقتل الكثير مما تسبب بنزوح النساء والأطفال إلى الجبال المجاورة هربا من شرر الفتنة والحرب فهلك أكثرهم ومات جوعا وعطشا رحمهم الله أجمعين.

في المقابل استطاع محمد الغافري بعدما انتصر إلقاء القبض على بلعرب بن ناصر والتنكيل به وسجنه انتقاما من إهانته له في قلعة نزوى، ليعلن بعدها كبار القوم بأن الشيخ محمد الغافري حاكما على عمان ووصي على سيف الإمام المنتظر لعمان حينما يبلغ الحلم.

أما خلف الهنائي وأصحابه فقد واصلوا معاركهم الشديدة ضد خصومهم وكانت المعارك بينهم كر وفر، حتى التقى الخصمان في صحار أي محمد بن ناصر الغافري ، وخلف بن مبارك الهنائي وكانت المعارك بينهم على أشدها وفقد القائدان حياتهما فيها لتنتهي فصول هذا الصراع القبلي المقيت بمقتل من أشعل فتيلها.

في ظل هذا الخراب وتشتت البلاد ومقتل محمد الغافري وخلف الهنائي، انتخب أتباع الغافري سيف بن سلطان اليعربي حاكما على عمان خاصة حينما بايعه كبار العلماء إماما لهم بعدما بلغ سن الرشد.

ولكن الإمام سيف كان مراهقا في إدارته، ولم يستطع تولى زمام الأمور بحكمة في ظل ما حدث، فعزله كبار العلماء بنزوى ليخرج منها متوجها للرستاق بعدما بايع العلماء بلعرب بن حمير اليعربي حاكما على عُمان سنة 1145هـ.

لم يرضى سيف عزله، فجمع اتباعه في الرستاق ومن كل مكان وطلب من حاكم بلاد فارس بأن ينجده بجيش ليحارب به خصومه واسترداد حكمه من بلعرب بن حمير، وبالفعل أوفد العجم جيوشهم إلى عُمان لتصبح المشكلة أكبر وكانت المعارك دامية جدا وقتل خلالها كم هائل من الناس وخاصة في معركة عبري والذي استطاع من خلالها سيف احتلال البريمي ومدن الظاهرة بجيش العجم وأتباعه، وتقدم بمعارك شديدة ليحتل مدن الداخلية وفي مقدمتها نزوى وما حولها، ومن ثم مسقط والباطنة ليعود للحكم مرة أخرى بعدما هزم خصمه بلعرب الذي انسحب واستسلم وترك الحكم لسيف بن سلطان فكان قاسيا جدا على أتباع خصومه السابقين، وأصبح العجم في عهده يسيطرون على أغلب مدن عُمان وجورهم في ازدياد، حتى ضاق العمانيون ذرعا بما يحدث، فاجتمع العلماء مرة أخرى ليخلعوه وخاصة بعدما مكن العجم من البلاد وجعلهم قادة جيشه حتى فقد السيطرة عليهم وأصبحوا يعيثون في البلاد احتلالا وفسادا ونهبا وظلما للعباد.

بايع علماء عُمان آخر ملوك اليعاربة إماما لهم ليحكم البلاد واسمه سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي في ليلة عرفة بنخل سنة 1154هـ، ليعلن الجهاد ضد العجم وفلول العهد القديم، ليتوحد خلفه الأهالي بعدما ضاقوا ذرعا بما يحدث من العجم وأتباعهم، فبدأ بضم مدن الداخلية والظاهرة لسلطته، ومن ثم تقدم لحرب سيف بن سلطان في مسقط وانتصر عليه ليهرب سيف بحرا متجها إلى خورفكان ومنها جمع حشوده مرة أخرى من أتباعه والعجم وتوجه بهم إلى صحار في 20 ألف من الجنود أغلبهم من بلاد فارس.

خرج لهم الإمام سلطان بن مرشد متوجها لملاقاتهم في صحار التي كان واليها أحمد بن سعيد البوسعيدي، الذي استبسل هو الآخر بصد سيف والعجم، وأصبحت المعركة الكبرى لا محالة بين الجيش العماني بقيادة الإمام سلطان وواليه أحمد، وبين جيش العجم ومعهم سيف وأتباعه.

وحينما حانت ساعة الصفر للمعركة الأهم في هذه الأحداث، تقدم الإمام سلطان اليعربي الجيوش العمانية والتحم برجاله مع خصومه العجم، واستشهد خلالها الكثير من العمانيين، في المقابل سقط من العجم خلق كثير، ولكن المعركة لم تحسم فالإمام بكل شجاعته اخترق الصفوف وتمكن من قتل كبار قادة أعدائه، ولكنه في المقابل سقط وهو مثقل بالجراح التي أصابته من رماح وسيوف خصومه، لينسحب أتباعه وهم يحملون الإمام لقلعة صحار حتى استشهد من أجل عُمان وأهلها بعد ثلاثة أيام وهو يوصي واليه أحمد بن سعيد البوسعيدي بعدم الإستسلام ومواصلة الجهاد ضد الجيش الفارسي وطردهم من عُمان، وهذا ما فعله السيد أحمد حتى استطاع هزيمتهم وطردهم من البلاد بمساندة المخلصين من أجل الوحدة الوطنية الذين ما مكثوا إلا وبايعوه على حكم عُمان ليذهب بهم بعيدا عن الحروب الأهلية وذلك الألم الذي لامس كل العمانيين عبر سنوات طويلة من الفتن والصراع على السلطة وخاصة بعدما مات سيف بن سلطان وحيدا في الحزم بعد فترة وجيزة وهو مذموم نتيجة المرض مثلما تشير المصادر التاريخية العمانية، ولا نعلم هل مات مسموما أم من شدة المرضَ فذلك من علم الغيب!

ليشهد التاريخ بأن آخر أئمة اليعاربة سلطان بن مرشد قد سطر اسمه بحروف من ذهب بعدما بزغ من ركام الفتنة ونال شرف الشهادة من أجل عُمان وأهلها.

المرجع :

تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان (1-2)، نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، مكتبة الإمام نور الدين السالمي –السيب – سلطنة عُمان.

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور