الخميس، ٢١ نوفمبر، ٢٠١٩

مقالات

إن المشاعات العالمية ليست شيئا جديدا. إذ يرجع التعاون الدولي لمكافحة الأمراض المعدية وحماية الصحة العامة إلى أوائل القرن التاسع عشر...

إخماد حرائق السيادة المروعة

الأحد، ٨ سبتمبر، ٢٠١٩ | 11:57



مسقط - الشبيبة

جين بيساني فيري

عشية قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى التي استضافتها مدينة بياريتز في فرنسا، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غابات الأمازون المطيرة بأنها "رئة كوكبنا". ولأن الحفاظ على الغابات المطيرة أمر مهم للعالم بأسره، فقد أضاف ماكرون: "لا يجوز لنا أن نسمح للرئيس البرازيلي جايير بولسونارو بتدمير كل شيء". ردا عليه، اتهم بولسونارو الرئيس ماكرون باستغلال قضية برازيلية "داخلية"، وقال إن إقدام مجموعة السبع على مناقشة هذه المسألة في غياب دول منطقة الأمازون لهو دليل على "عقلية استعمارية في غير محلها".

منذ ذلك الحين ازداد النزاع تصعيدا، حيث يهدد ماكرون الآن بعرقلة اتفاقية التجارة المبرمة حديثا بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة ميركوسور، ما لم تبذل البرازيل ــ الدولة الأكبر في الكتلة التجارية الأميركية اللاتينية ــ المزيد من الجهد لحماية الغابات.

يسلط الجدال الدائر بين ماكرون وبولسونارو الضوء على التوتر بين اتجاهين حديثين كبيرين: الاحتياج المتزايد إلى عمل جماعي عالمي والطلب المتزايد على السيادة الوطنية. سوف نشهد حتما المزيد من هذه الصدامات بين هاتين القوتين، وسوف تحدد إمكانية أو استحالة التوفيق بينهما مصير عالمنا.

إن المشاعات العالمية ليست شيئا جديدا إذ يرجع التعاون الدولي لمكافحة الأمراض المعدية وحماية الصحة العامة إلى أوائل القرن التاسع عشر لكن العمل الجماعي العالمي لم يكتسب أهمية عالمية حتى مطلع الألفية الجديدة ثم بدأ تطبيق مفهوم "المنافع العامة العالمية"، الذي أشاعه خبراء الاقتصاد في البنك الدولي، على مجموعة واسعة من القضايا، من الحفاظ على المناخ والتنوع البيولوجي إلى الاستقرار المالي وأمن الإنترنت.

في سياق ما بعد الحرب الباردة، أعتقد أنصار المذهب الأممي في إمكانية الاتفاق على حلول عالمية وتنفيذها في التصدي للتحديات العالمية. وبمساعدة مؤسسات دولية قوية يصبح من الممكن تنفيذ وفرض اتفاقيات عالمية أو قوانين دولية ملزمة. وبدا الأمر وكأن المستقبل ينتمي إلى الحكم العالمي.

ولكن تبين أن ذلك كان مجرد وهم. فقد فشلت البنية المؤسسية للعولمة في التطور كما كان يأمل دعاة الحكم العالمي وعلى الرغم من تأسيس منظمة التجارة العالمية في عام 1995، فلم تر أي هيئة عالمية مهمة أخرى النور منذ ذلك الحين (ولا تملك منظمة التجارة العالمية ذاتها من السلطة ما يتجاوز التحكيم في المنازعات) وجرى تعليق خطط إشراف المؤسسات العالمية على الاستثمار أو المنافسة أو البيئة. وحتى قبل أن يبدأ رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب التشكيك في التعددية، بدأت الترتيبات الإقليمية في إعادة هيكلة التجارة الدولية وشبكات الأمان المالية العالمية.

بدلا من قدوم الحكم العالمي، يشهد العالم صعود القومية الاقتصادية وكما وجدت مونيكا دي بول وجيرومين زيتلماير من معهد بيترسون في تحليل منهجي لبرامج 55 حزبا سياسيا رئيسيا من بلدان مجموعة العشرين، فإن التأكيد على السيادة الوطنية ورفض التعددية أصبح واسع الانتشار في عام 2000، عندما كتب جون بولتون، مستشار الأمن الوطني الأميركي الحالي أن الحكم العالمي يشكل تهديدا لما أسماه "الخاصية الأميركية"، اعتبر كثيرون هذه الفكرة مجرد مزحة. لكن قليلين هم من يضحكون الآن.

صحيح أن القومية لم تكسب الحرب وعلى الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا ودول أخرى، فإن انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو لم تنتج الاكتساح الشعبوي المخيف الذي كان منتظرا وتريد شرائح متزايدة الحجم من الرأي العام من صانعي السياسات أن يجتهدوا ببساطة في التصدي للمشكلات بالطريقة الأكثر فعالية، بما في ذلك على المستوى الأوروبي أو العالمي إذا لزم الأمر.

ولكن في الوقت الحاضر، من غير الممكن أن يستند العمل الجماعي الدولي إلى المزيد من الالتزامات القائمة على معاهدات عالمية. السؤال إذن هو أي الآليات البديلة يمكنها التصدي للتحديات العالمية على نحو فعّال في حين تعمل على الحد من التعديات على السيادة الوطنية.

الواقع أن بعض النماذج تعمل بالفعل على المستوى الدولي في ما يتعلق بالتجارة، على سبيل المثال، تتصدى مجموعات "الهندسة المتغيرة" المزدهرة لقضايا جديدة ترتبط بالضوابط التنظيمية "وراء الحدود" مثل المعايير الفنية، وعدم وضوح الفارق بين السلع والخدمات. فتدور مواجهة الاستغلال العالمي لقوة السوق من قِبَل الشركات العملاقة من خلال الأحكام الصادرة عن سلطات المنافسة الوطنية خارج حدود الدولة.

على نحو مماثل، لم يكن التعزيز الفعّال لنسب رأس المال المصرفي ناجما عن أي قانون دولي، بل عن التبني الطوعي لمعايير مشتركة غير ملزمة وعلي الرغم من تأخر العالم في تنفيذ تدابير تخفيف تغير المناخ، فإن اتفاقية باريس للمناخ التي أبرمت في عام 2015 دفعت العديد من الدول إلى التحرك، بما في ذلك من خلال حشد الحكومات الإقليمية وحكومات المدن، وتحفيز الاستثمار الخاص في التكنولوجيات النظيفة.

ولكن لأن ليس كل المشكلات العالمية متشابهة، فإن مثل هذه الآليات من شأنها أن توفر نموذجا مناسبا للعمل الجماعي في بعض حالات بعينها فقط فعندما تكون القوى الفاعلة المختلفة على استعداد للعمل، تصبح الاستعانة بقدر متواضع من الشفافية وبناء الثقة كافية لضمان التعاون. ومع ذلك، في حالات أخرى، لا يمكن التصدي لإغراء الركوب المجاني أو الامتناع عن المشاركة إلا من خلال الحوافز القوية أو حتى العقوبات.

هذا يعيدنا إلى حرائق الأمازون. من الواضح أن مصالح البرازيل والمجتمع الدولي ليست متوافقة. فمن منظور صغار المزارعين وشركات الصناعات الزراعية الغذائية الكبرى، تشكل القيمة الاقتصادية للأرض أهمية كبيرة. لكن بقية العالم تهتم في الأساس بالقيمة الإيكولوجية والتنوع البيولوجي الذي توفره الغابات المطيرة. كما تختلف الآفاق الزمنية: فليس من المستغرب أن يقدر الأثرياء في الشمال العالمي قيمة المستقبل أكثر من الفقراء في الجنوب العالمي. وحتى إذا كانت شرائح كبيرة من المجتمع البرازيلي تقدر قيمة الحفاظ على الغابات المطيرة، فإنه لمن قبيل التمني المحض أن نتصور أن الإقناع الأخلاقي والحفز وحدهما كفيلان بحل الخلافات بين البرازيل وشركائها الخارجيين.

في حالة الأمازون، تتمثل الأدوات المادية الوحيدة المتاحة في المال والعقوبات. فمن خلال تحويل أكثر من مليار دولا إلى صندوق الأمازون منذ عام 2008، تقدم النرويج بالفعل إعانات الدعم للحفاظ على الخدمة البيئية التي توفرها الغابات المطيرة للعالم (قطعت النرويج التحويلات الشهر الماضي احتجاجا على سياسات بولسونارو). ويتلخص بديل ماكرون في إرغام البرازيل على تقدير قيمة البيئة من خلال جعل الاتفاقات التجارية وغيرها من الاتفاقيات الدولية مشروطة بإدارة البلاد لمواردها الطبيعية على النحو الذي يسمح باستدامتها.

لا يخلو أي من الخيارين من مشاكل.

فالمدفوعات تفتح بابا مخيفا، ويتطلب الوصول إلى نطاق كبير الاتفاق على من سيتحمل العبء فعليا: إذ أن القيمة الاجتماعية السنوية المتمثلة في اختزان غابات الأمازون المطيرة للكربون تعادل مئات المرات ضعف التحويلات النرويجية. والإكراه أيضا أمر صعب، لأنه لا توجد سوى علاقة منطقية غير مباشرة بين إزالة الغابات والتجارة. ولكن نظرا لعدم وجود أي خيارات أخرى، فربما يجب أن تتضمن الحلول في الأرجح مزيج من الخيارين.

بمرور الوقت، ربما تصبح المشاحنة بين ماكرون وبولسونارو مجرد حاشية سفلية في كتاب. ولكن من المؤكد أن منازعات أخرى تثير مخاوف عالمية ضد السيادة الوطنية سوف تندلع، والعالم بحاجة إلى إيجاد طريقة ناجعة لإدارتها.

أستاذ في كلية هيرتي للإدارة في برلين، ويشغل حاليا منصب المفوض العام لشؤون التخطيط السياسي للحكومة الفرنسية.

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور