الأحد، ٢٠ أكتوبر، ٢٠١٩

مقالات

منصور بن ناصر اليتيم العماني الذي شهد مقتل والديه بزنجبار!

الخميس، ١٩ سبتمبر، ٢٠١٩ | 07:54

نصر البوسعيدي

عند حلول الفجر كانت رائحة الفطور تنتشر في أرجاء المنزل، أم منصور كعادتها تسابق اذان الفجر لتضع لزوجها وطفلها خبز الصباح، ولكن لم يتوقع الجميع أن تلك الساعات المقبلة تحمل في دقائقها أبشع جريمة غادرة بحق هذا العائلة!

كان ناصر بن منصور البوسعيدي يحلم كغيره من العمانيين أن يجد حياة سعيدة وكريمة في حاضرة العرب «زنجبار» التي هاجر إليها الكثير من أهل عُمان نتيجة الصلات التاريخية العميقة للوجود العماني في أفريقيا لا سيما ونحن نعلم بأن العمانيين كآل الجلندى والنباهنة قد أسسوا ممالك عربية في لامو كينيا والصومال والكثير من سواحل أفريقيا منذ عدة قرون.

لذلك أخذ ناصر زوجته وهو مودعا عُمان من خلال رحلة سفن نواخذة صور والذين كانوا من أمهر البحارة الذين يصلون بسفنهم إلى قارة أفريقيا وتحديدا زنجبار وجهة هذا العماني وزوجته.

العمانيون في زنجبار منقسمون في معيشتهم، فالطبقة الراقية من الأثرياء كانوا يقطنون في قلب المدينة وتحديدا في ستون تاون تلك الأنحاء المحيطة ببيت العجائب الذي شيده السلطان برغش بن سعيد البوسعيدي والذي ظل شاهدا على مجد الحكم العماني حتى يومنا هذا، أما البسطاء من أهل عًمان فقد اتخذوا من أرياف زنجبار (الشوانب) مسكنا لهم متجاورين بكل محبة وود مع سكان زنجبار الأصليين والذين كان أكثرهم يتعامل مع العماني بكل ترحاب وتعايش ومحبة.

بعد أن استقر الزوجان في قرية (دونجا بويني) اتخذوا من منزل متواضع مسكنا لهم، حوله مزرعة صغيرة استطاع من خلالها رب الأسرة استثمارها لبيع منتجاتها من جوز الهند وبعض المحاصيل المتواضعة التي تفي بحياة كريمة بسيطة بعيدا عن الضوضاء وهموم السياسة التي كانت تشعل الفتنة في زنجبار نتيجة مصيدة الاستعمار البريطاني منذ سنوات طويلة لتدمير الوجود العربي الإسلامي في الجزيرة بعدما سمحت باسم المجلس التشريعي والانتخابات من أجل تشكيل الحكومة بعد الاستقلال من حمايتهم بتقسيم السكان عرقيا بنشوء الأحزاب المتنافسة لمقاعد الحكومة بين الجنس العربي بأكثرية والذي يمثله الحزب الوطني، وبين العمال الأفارقة القادمين من البر الأفريقي ومعهم مجموعة كبيرة من الزنجباريين المنضمين تحت لواء الحزب الأفروشيرازي بالإضافة إلى حزب الشعب.

في ظل ذلك الصراع رزق الزوجان بطفلهما منصور والذي كان في عمر الثامنة وقت الحادثة عام 1961م، ومثلما أسلفت لم يكن البسطاء من العمانيين القاطنين في الأرياف يعلمون ما يحدث في قلب المدينة من إرهاصات سياسية فادحة تغلي وتزرع الأحقاد في نفوس المتعصبين عرقيا وهم يتنافسون بكل كراهية بعد عدة إشكاليات واحداث نشبت بين الطرفين بالانتخابات التي بدأت مشاكلها تظهر جليا منذ عام 1957م حينما تعرض العرب في الحزب الوطني بهزيمة ساحقة في الإنتخابات الأولى، وفي الإنتخابات الثانية حصلوا على مقاعد نافسوا من خلالها الحزب الأفروشيرازي الذي شكك في النتائج وبالأخص عند صناديق الإقتراع المعادة اضطرارا لتشكيل الحكومة في عام 1961م، لتحدث نتيجة ذلك أعمال الشغب والكارثة والقتل العرقي البشع.

لقد استخدم أتباع الحزب الأفروشيرازي كل أنواع وأساليب الغدر والقتل تجاه الأبرياء من العمانيين والعرب البسطاء القاطنين في الأرياف، فهؤلاء بعيدون عن سلطة النظام ولا يوجد لديهم السند الأقوى الذي حصل عليه نظراؤهم الأثرياء في قلب المدينة، لذا فإن أبشع الجرائم التي حدثت كان بحق هؤلاء والذي وصل عددهم إلى 68 قتيلا من بينهم أطفال تم حرقهم عن طريق معلمهم الذي غدر بهم أثناء هربهم من فوضى الكارثة وذلك الانفلات الأمني الخطير.

في تلك الليلة المشؤومة كان الجميع ينام في هدوء، لم يكن يعلم منصور أن تلك الساعات ستصبح الأخيرة في حياته التي سيرى فيها والديه، في الوقت الذي كان يخطط فيها المجرمون بكل وحشية للنيل منهم دون ذنب يُذكر.

بعد صلاة الفجر تحديدا والظلام منتشر في كل مكان، اخترقت أصوات صراخ الأب مسامع ابنه منصور الذي هرع من نومه نحو نافذة الكوخ متبعا صوت أبيه المحاصر، ليصدم من هول المنظر وهو يرى مجموعة من المنتمين للحزب الأفروشيرازي يهجمون على والده بالسواطير التي كانت الأداة الأبشع لهذه الجريمة النكراء رغم مقاومته لهم بكل ما لديه من قوة مجردا من أي سلاح، كان المنظر مخيفا ومربكا للغاية ليذهب منصور مسرعا لوالدته يستنجد بها، حتى وجدها تبكي عند باب البيت وهي تنظر إلى وحوش بشرية تنهشم ذلك الجسم المسكين!

كان لهذا الكوخ باب خلفي يؤدي إلى الحقول المجاورة، حاول منصور أن يقنع والدته بالهرب من ذلك الباب، إلا أن هذه الزوجة المخلصة أبت أن تغادر المكان قائلة :

«لن أترك المكان ، ولن أترك والدك يصارع سكرات موته لوحده، بل سأبقى معه وسأموت معه وهذا قدري الذي اخترته»!!

كاد الطفل من خوفه لا يصدق ما يراه أمامه وهو متعلق بحضن والدته والهلع جاثم عليهم، الأب يصارع الموت في الخارج، والأم تنتظر المصير لعدم رغبتها بمغادرة المكان دونه وهي تردد عشنا سويا وسنموت سويا!!

وما هي إلا لحظات حتى هجم هؤلاء المجرمين عليهم داخل المنزل لتحتضن الأم طفلها لحمايته وهي تتلقى ضربات مؤلمة دون أي رحمة بنفس الأدوات الحادة التي استخدمت في جريمة مقتل زوجها حتى انهارت قواها من شدة الألم، وهي ترا أصابع ابنها منصور تتناثر في المكان مع ضربات في الرأس والوجه ليسقط الاثنان يصارعان الموت وسط بركة من الدماء!

وفي هذه الأثناء نهب المجرمون كل ما يمكن سرقته في ذلك المنزل المفجوع وفروا بعيدا عن الأنظار قبل بدايات شمس الصباح.

كان منصور ومن هول إصابته متمددا لا يحرك ساكنا بجانب والدته التي وجدها تلفظ أنفاسها الأخيرة لتغادر الدنيا أمام ناظريه، استجمع قواه وهو يرى بغرابة يده اليمنى دون اصابع ودماء، ليقرر بعدها الهرب من الباب الخلفي دون أن يدرك ما الذي ينتظره قبل أن يلقي نظرات الوداع الأخيرة وللأبد على والديه وغرفته وجدران ذلك المكان المليء بالذكريات والمحبة واللحظات التي كان فيها ينعم بحضن والدين لا يملك أغلى منهما في هذه الدنيا ومن فيها.

غادر منصور وهو مصاب بتلك الإصابات الخطيرة تاركا خلفه كل شيء باحثا عن النجاة المفقودة في تلك الفوضى، وصدفة رآه أحد الأفارقة الطيبين والذي كان يشفق كثيرا على ما حدث للعمانيين والعرب، فحاله من حال الكثير من الزنجباريين الافارقة الرافضين لتلك المجازر، بل أن بعضهم فقد حياته نتيجة دفاعه عن العمانيين والعرب وميله لهم، فأخذه معه ليخبئه في بيت مهجور وهو الشاهد الوحيد لكل ما حدث حتى تهدأ الأوضاع.

في تلك الأثناء أبلغ هذا الرجل أحد اليهود القاطنين في زنجبار عن مأساة الطفل وعائلته، ليتصل مباشرة هذا الأخير بالشرطة ويبلغهم بالحادثة ومكان الطفل الذي تم وبحماية من الشرطة نقله إلى المستشفى والاتصال بأقاربه للنظر فيما بعد للقضية، وبالفعل حضر الأقارب والحزن يحاصرهم في كل مكان وهم يواسون هذا اليتيم المصاب بالفقد قبل الألم.

وبعد أسابيع مريرة خرج منصور ليعيش مع عمته في زنجبار، ووجد الإهتمام والتعاطف من الجميع، ولذا وبعد أن تماثل للشفاء حاولت عائلته أن تلجأ للقانون رغبة في الإقتصاص من المجرمين، وكان بعضهم معروف لدى منصورلجيرتهم السابقة، ولكن للأسف تم رفض شهادته لأنه لم يبلغ السن القانوني للإعتماد على شهادته ليذهب دم والديه هدرا بعدما تم دفن الجثامين في مقابر جماعية.

الجدير بالذكر أن الاحداث الدموية في عام 1961م، ذهب ضحيتها أكثر من 68 قتيلا جلهم من العمانيين البسطاء بالإضافة إلى بعض المفقودين، ولقد حاولت الجهات المعنية في زنجبار التحقيق في الأمر فتم إلقاء القبض على أكثر من ألف شخص، وبعدها حصلوا على البراءة إلا واحد منهم اتهم بالقتل!

كانت حياة منصور تسير للأمام مع عمته، فدخل للمدرسة وانتظم فيها واستطاع أن يتجاوز محنته بكثير من الصبر والإرادة، وما أن حل عام 1964م، حلت الكارثة مرة أخرى وبشكل فادح ومخطط حينما هاجمهم أفراد الحزب الأفروشيرازي ومن معهم مرة أخرى على العمانيين والعرب المقيمين خاصة في الأرياف معلنين كراهيتهم العرقية لإبادة العرب وإسقاط حكم سلطان زنجبار جمشيد البوسعيدي،فأقاموا المذابح العرقية واغتصبوا النساء وأحرقوا الأطفال وعائلات بأكملها ليقدر عدد الضحايا بأكثر من 18 ألف شهيد دُفن جلهم في مقابر جماعية لإخفاء هول الجريمة وبشاعتها.

يومها هرب منصور برفقة عائلته مرة أخرى إلى الأحراش حتى استطاعوا من الولوج في مركبة أحد معارفهم الذي مثل وكأنه من أتباع الحزب المنقلب رافعا أعلامهم، حتى استطاع نقلهم إلى مركز المدينة في زنجبار، وبعدها غادروا جميعا في سفينة تابعة للصليب الأحمر متجهين إلى الخليج العربي، فمنهم من اختار النزول في ميناء مسقط، ومنهم فضل النزول في ميناء دبي كمنصور الذي كان يرغب بإكمال دراسته في العراق، وخشي من النزول في مسقط ويحرم من الجواز والسفر وفق القوانين الصارمة التي وضعها السلطان سعيد بن تيمور أنذاك.

واختصارا للأحداث فقد توجه منصور أولا إلى السعودية ليسهل له التنقل والسفر وإكمال دراسته، فسافر لذلك إلى عدة دول مجاورة، واستطاع بعدها العودة إلى عُمان بعد أن تسلم جلالة السلطان قابوس بن سعيد زمام الحكم في البلاد، معلنا فك القيود والسير نحو توحيد عُمان والبناء والنهضة الشاملة.

استطاع منصور بعد رجوعه لأرض الوطن أن يحصل على وظيفة تناسب مؤهلاته في وزارة الخارجية، ليصبح بعدها أحد الدبلوماسيين المشهود لهم بالكفاءة، وقد تم تعيينه في زنجبار قنصلا عمانيا وممثلا لحكومة السلطنة حتى تقاعده من العمل.

العم منصور كان شاهدا على تلك الأحداث المروعة، وهو واحد من مئات العمانيين الذين كتب الله لهم النجاة وشهدوا بأعينهم فقد أعزاء لهم تم التخلص من حياتهم بطرق بشعة وعار على الإنسانية، ولا يتخيلها أي إنسان ينبض ضميره بالمحبة والسلام.

ملاحظة:

ما تم كتابته أعلاه هي نتاج مقابلة شخصية أجريتها مع منصور بن ناصر البوسعيدي كشاهد عيان لما حدث لعائلته في زنجبار، وكان اللقاء في منزله الكائن بمسقط وذلك بتاريخ 9 - 9 - 2019م.

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور