الجمعة، ٢٢ نوفمبر، ٢٠١٩

مقالات

الوفد العماني وموقفه المتشدد مع الخليفة عمر بن عبدالعزيز!

الخميس، ١٧ أكتوبر، ٢٠١٩ | 07:42

نصر البوسعيدي

خرج الوفد العماني من مجلس الخليفة عمر بن عبدالعزيز وهو بحالة لا تسر، فعاتبهم قائدهم أبو عبيدة وقال لهم: ليتكم قبلتم من الخليفة وتركتكم شدتكم!!

حينما عمت الفوضى في الأمة الإسلامية نتيجة اغتيال سيدنا عثمان بن عفان وتفرق الأمة في الولاء له بين مؤيد ومعارض، ودخول المسلمين في حروب وفتن تارة من أجل الثأر لعثمان وتارة من أجل الخلافة والذي وصل فيه الحال لأن يقتتل الجميع بين قائدين وهما علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وبين معاوية بن أبي سفيان وانتهت في الأخير لمصلحة معاوية نسبيا بعد حادثة التحكيم وتفرق أصحاب علي بعدما اختلفوا في قضية قبوله للتحكيم مع معاوية.

فحارب سيدنا علي أصحابه الذين اختلفوا معه ومنهم أهل النهروان مما تسبب بحالة من الغضب والشتات بين أصحابه وهو من اتخذ من العراق مقر لحكمه، ومثله فعل معاوية والذي اتخذ من دمشق مركزا لحكمه ومعه واليه عمرو بن العاص بمصر، وأصبح العداء ظاهرا بين علي ومعاوية لدرجة أن صلاة الجمعة عند الأمويين في الشام كانت تدعو الأمة للوحدة تحت خلافة معاوية كونه أمير المؤمنين وبنفس الوقت تحمل في طياتها نبذ علي ومن معه من المعارضين.

واختصارا للأحداث فقد تم اغتيال سيدنا علي وبقي ابنه الحسين يقود المعارضة ضد الأمويين، وظل الحال هكذا دون تصعيد بين الطرفين حتى وفاة معاوية وتولي ابنه يزيد الحكم، ليتطور الأمر بين الحسين ويزيد لمرحلة الصدام حينما أعلن الحسين عدم اعترافه بسلطة يزيد في الخلافة ليلتقي الجيشان في كربلاء وتنتهي المعركة بمقتل الحسين وأصحابه. لم يكن أهل عُمان بعيدين عن هذه الأحداث وذهب العديد منهم ضحايا لهذه المعارك الدائرة للصراع على السلطة بين الأطراف المتنازعة، وأصبحت عُمان من جهة أخرى هي الملجأ الآمن للمعارضين ضد السياسات الأموية وخاصة العمانيين المقيمين في البصرة، وظل هذا الحال بين كر وفر نتيجة عدم اعتراف العمانيين بشرعية الدولة الأموية وخلفائها نتيجة توريثهم للحكم بعيدا عن الشورى، وبالتالي فإن عُمان ذاتها كانت في كل مرة تقاوم الجيوش الأموية وتردعهم، فتارة تجدها مستقلة استقلالا تاما من سلطة الأمويين وتارة تجد بعض أجزائها بيدهم، وقد اتضح هذا الأمر أكثر في عهد الخليفة عبدالملك بن مروان وواليه الحجاج من كانوا يرسلون جيوشهم تباعا إلى عُمان حتى تمكنوا منها بعدما خرج حكامها أحفاد ملوك آل الجلندى إلى شرق أفريقيا ليؤسسوا لهم هناك إمارات عربية قوية ظلت آثارها لقرون طويلة.

في هذه الأثناء كان العماني جابر بن زيد في البصرة وأصحابه كـ أبي عبيدة يعدون العدة بحذر شديد وسرية لصناعة القادة الذين سيقودون التغيير ضد سلطة الدولة الأموية خاصة في عُمان للتمهيد لإعلان الثورة وانتخاب حاكمهم أو إمامهم بالشورى عن طريق أهل الحل والعقد حينما تحين الفرصة لذلك.

في كل الأحوال فقد استمر الحال هكذا لفترات طويلة وتعاقب حكام بني أمية على الخلافة وسط اضطرابات عنيفة، حتى تم مبايعة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز بعد وفاة سليمان بن عبدالملك الذي أوصى بالخلافة لعمر وسط معارضة بعض أقرانه في العائلة الحاكمة، ليتم له الأمر بعدما كان جالسا آخر الحضور حزينا للخبر الذي أتاه بتنصيبه خليفة للمسلمين وهو يعزي حاله لعظم هذه المسؤولية والتي حاول مرارا أن يرفضها دون جدوى تنفيذا للوصية، وقال خطيبا في الناس في أول خطبة له:

« يا أيها الناس إنما نحن من أصول قد مضت، وبقيت فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله، وإنما الناس في هذه الدنيا أغراض تتنصل فيها المنايا وهم فيها نهب المصائب، مع كل جرعة شرق غصص لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، وما يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا يهدم أخرى من أجله».

لقد كان عمر بن عبدالعزيز ووالدته هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب يعلم تماما حالة العداء المستعر بين الأمويين والكثير من الأهالي في مختلف الأمصار الإسلامية نتيجة الشدة التي كان يتخذها أقرانه لإنهاء أي خلاف أو معارضة لهم، وأول مما فعله حينما تسلم الخلافة أن قام بعزل جميع الولاة السابقين والقادة إلا قلة قليلة منهم، واستبدلهم بمن رآهم يناسبون المرحلة القادمة من حكمه والتي شدد فيها على إرجاع كافة الحقوق والأموال لكل من تم سلبه حقه سابقا، لذا ولعدالته التي أضحت للجميع مثالا يحتذى به وهو من لم يجامل أي أحد حتى اقرب الناس إليه، فقد احترمه العمانيون ورضوا بحكمه كخليفة للمسلمين، وبالوالي الذي جعله عليهم في عُمان بقيادة عدي بن أرطأة الفزاري والذي بدوره أساء السيرة بشكل لم يرتضه أهل عُمان الذين جهزوا وفدا لمقابلة الخليفة والوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف ومنها عزل قائده على عُمان وتعيين آخر بدلا عنه، ومناقشة القضايا الأساسية المتعلقة بالأمة الإسلامية ومواضع خلافهم مع السلطة الأموية.

وتشير بعض المصادر التاريخية إلى بعض أسماء أعضاء الوفد العماني الذي حاور الخليفة عمر بن عبدالعزيز وتم اختيارهم من قبل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة القائد الأبرز لهؤلاء وصاحب المكانة الرفيعة لديهم بعد جابر بن زيد، فوقع الاختيار على :

1 – المختار بن عوف بن عبدالله السليمي المعروف بـ أبو حمزة الشاري.

2 – الحتات بن كاتب.

3 – سالم بن ذكوان الهلالي.

4 – جعفر بن السماك العبدي.

5 – ابن الحجاز علي بن الحصين العنبري المعروف بـ أبي الحر.

وكان أول من استقبل الوفد هو عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز ابن الخليفة والذي كان خير معين لهم بعد سفرهم ووصولهم لوالده تمهيدا للحوار الذي دار بينهم، وبعدما رحب عمر بالقادمين أخذ يستمع لهم ولمطالبهم، فكانت البداية حينما طلبوا منه عزل من ولاه على عُمان لجوره وظلمه، فلبى طلبهم وتم عزله وتعيين بدلا منه الوالي عمر بن عبدالله الأنصاري الذي أحسن السيرة وأحبه العمانيون وهو من كان بينهم معززا مكرما حتى وفاة ابن عبدالعزيز.

أما بقية النقاط التي أثارها الوفد فكانت تتعلق بفتنة الصحابة وأسباب تفرقهم ومقتل سيدنا عثمان، فأجابهم الخليفة بأنه لا يود الخوض في سيرة الصحابة وما مضى عليهم من الفتن، وهنا عارضه الوفد بشده وتمسك برأيه للحديث عن الأخطاء التي تسببت بكل ذلك، كما أنهم عبروا عن رفضهم بشتم المسلمين المعارضين في منابر خطب صلاة الجمعة ومنهم سيدنا علي بن أبي طالب وطالبوه بإيقاف كل ذلك والبراءة من الظالمين وقالوا له :

« إن أئمة العدل لا تسعها التقية وقد قتل المسلمين وصلبوا وقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وهم يُلعنون علانية على المنابر، فأظهر علانية عذر المسلمين والبراءة من الظالمين».

فوافقهم عمر في أمر خطب الجمعة وأمر بأن يتم استبدال كل تلك الألفاظ بآيات قرآنية كـ :

« ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان» - « إن الله يأمر بالعدل والإحسان»، ليسجل التاريخ هنا الفضل لأهل عُمان في إيقاف كل ذلك التنابز في خطب الجمعة اتجاه سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وغيره من المسلمين بالاتفاق مع الخليفة.

في المقابل حاول الوفد أن يضغط على عمر بن عبدالعزيز بالشدة ليفصح عن براءته من الظالمين، وكان يرد عليهم بأن يود أن يأخذ الأمور بالتدرج والتروي فقال لهم :

«إن فعلت عوجلت، ولكني آخذ الأمر أولا فأول ، ألا ترضون أن نميت في كل يوم بدعة ونحيي سنة ؟! «

وهنا رفضوا موقفه وبعضهم توقف عن مناقشته، فتدخل ابنه عبدالملك وقال :

« لا يا أبت بل تقيم الحق بالباكر ولو غليت بلحومنا المراجل بالعشي».

وعموما أغلب المصادر التاريخية قد أجمعت على أن أعضاء الوفد كانوا متصلبين بآرائهم متشددين في قضية البراءة، ولم يراعوا رغبة الخليفة عمر بن عبدالعزيز في التدرج لإصلاح الأمور التي كانت محل نقاشاتهم، بل أن بعضهم خرج من هذا اللقاء وهو يحمل استياءه من الخليفة لعدم اتفاقه معهم في بعض الخلافات الجوهرية خاصة فيما يتعلق بالفتنة التي حدثت للأمة الإسلامية وتسببت باغتيال سيدنا عثمان وما نجم عنه من صراع، لدرجة أن أبو عبيدة الذي رشح هذه الأسماء للقاء عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه قد أستاء من تشدد أعضاء الوفد وعاتبهم وقال لأصحابه وهو يشهدهم على موقفه : « ليتهم قبلوا منه» ، إشارة إلى رفضه القاطع لتصلب موقف أتباعه متمنيا لو أنهم قبلوا من الخليفة رأيه وتوجهاته، وهذا ما تؤكده أغلب المصادر التاريخية.

في الأخير اتفق أهل عُمان مع عدالة عمر بن عبدالعزيز وبمواقفه المشرفة واحترموا مثلما أسلفت واليه الذي جعله على عُمان وأوصاه خيرا بأهلها، وظل الحال على هذا الوفاق حتى وفاته أو اغتياله بالسم.

لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع العماني الأموي حتى سقوطهم، وإعلان العباسيين بيد السفاح بأنهم خلفاء المسلمين وأمراء المؤمنين بالوراثة، فوقف أهل عُمان لهم معارضين ومعلنين بنهج الشورى انتخاب حاكمهم وإمامهم الجلندى بن مسعود سنة 132هـ.

المراجع :

1 – بيان الشرع ج69،ج70، محمد بن إبراهيم الكندي، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان – 1993م.

2 – عُمان عبر التاريخ ج1،ج2، سالم بن حمود بن شامس السيابي، الطبعة الخامسة – 2014م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.

3 – الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين 1198-1874م، حميد بن رزيق بن بخيت النخلي العماني، تحقيق أ.د.محمد حبيب صالح – د.محمود بن مبارك السليمي، الطبعة السادسة – 2016م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.

4 – الأنساب ج2، أبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، تحقيق د.محمد إحسان النص، الطبعة الخامسة – 2016م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور