الاثنين، ١٨ نوفمبر، ٢٠١٩

مقالات

لكي يقوم المركز الوطني للتشغيل بدوره "2"

الأحد، ٢٠ أكتوبر، ٢٠١٩ | 09:23



مرتضى بن حسن بن علي

ذكرت في مقال سابق نشرته بعنوان» لكي يقوم المركز الوطني للتشغيل بدوره»، الآتي:

«مراكز التشغيل، تعمل عادة بصورة وثيقة مع الجهات المعنية، ولكنها كوكالات تنفيذية فأنها تخطط وتوصي بعدد كبير من السياسات لمساعدة الباحثين عن عمل، ومساعدة الشركات للحصول على ما تريده من الكفاءات المختلفة والمتغيرة، من دون تدخل منها في عمليات التعيين، كما تقوم بالتنسيق مع الجهات المعنية، لإجراء التعديلات اللازمة في سوق العمل وقوانينه. «كما يتابع المركز، التطورات والتغييرات السريعة التي تحصل في العالم والتي تؤثر على سوق العمل ويبذل جهودا كبيرة للقيام بدراسات ومقاربات مستمرة بين مهارات الباحثين عن عمل وتلك المطلوبة من سوق العمل.»

في هذه المقالة والتي ستليها، سأحاول مواصلة الحديث عن الدور المفترض للمركز الوطني للتشغيل، حسب اعتقادي، لكي يساهم بإيجاد حلول للمشاكل العديدة التي يواجهها سوق العمل. وتمهيدا للموضوع سوف أستعين ببعض الارقام المتوفرة لكي ابين بعض القضايا:

1 -حسب الأرقام المتوفرة، بلغ أعداد الباحثين عن عمل في نهاية عام 2018، عدد «45.711» شخصاً، موزعين كالآتي:

أ-بلغت نسبة الباحثين عن عمل في محافظة مسقط «12.5 %»، اي نحو “5714» شخصا، بينما بلغت تلك النسبة في المناطق الاخرى من عُمان نحو «87.5 %». اي نحو» 39.997» شخصا.

ب-من مجموع الباحثين عن عمل في نهاية عام 2018والبالغ « 45.711» شخصًا، بلغت نسبة النساء الباحثات عن عمل «62.2 %»، اي نحو «24.432» امرأة، منهن «90 %» اي نحو» 21.989» امرأة لم يسبق لهن العمل، كما ان النسبة الباقية والبالغة «37.8 %»، اي نحو»17.278»، كانت من الذكور، منهم نسبة «69.1 %» اَي نحو «11.938»، لم يسبق لهم العمل، بمعنى اخر فإن ما مجموعه «33.927 « شخصا، اي بنسبة «84 %» من مجموع الباحثين عن عمل ومن كلا الجنسين، لم يسبق لهم العمل وهي نسبة كبيرة جداً ومن المهم جدا معرفة الأسباب المؤدية لذلك. قد تكون احد الاسباب، انهم يبحثون عن عمل في الدوائر الرسمية المختلفة، ولا سيما بالنسبة للإناث، وذلك بسبب القيود الاجتماعية والأسرية ولا سيما في المناطق، أو أن بعض الشركات لا تريد التقيد بالحدود الأدنى للرواتب او انها تشعر انه من الصعوبة التخلص من بعض الموظفين في حالة كونهم غير منتجين او لا يتقيدون بأوقات الدوام او تكثر غياباتهم، وربما ان بعض النساء تزوجن وأنجبن الأطفال، وبالتالي ليست لديهن الرغبة في العمل الان.

وقد تكون من ضمن الاسباب ايضا، عدم وجود فرص عمل كافية في المناطق الاخرى، وخاصة للذكور، من الذين لم يسبق لهم العمل، او انهم لا يمتلكون المؤهلات الكافية، ومع ذلك لا يقبلون فرص العمل المتاحة، او ان الاعمال المتاحة لا تتوافق مع ميولهم، او انهم يمتلكون أعمالهم الخاصة ويمتلكون سجلات تجارية، او يمتلكون سياراتهم للأجرة، او يعملون في بعض المهن الاخرى الخاصة بهم مثل الزراعة او الصيد .... الخ

قد يكون مفيدا، بل مهما، ان يقوم المركز الوطني للتشغيل بأجراء مقابلات معهم وإيجاد سجل كامل عنهم الان ومستقبلًا، للوقوف بصورة جيدة على وضعهم الحقيقي.قد يكون بعضهم بحاجة الى التدريب او إعادة التدريب على الوظائف المتاحة.

٢-تشير دراستا «مسح خريجي مؤسسات التعليم العالي» للعامين 2015 و2017، التي قام بإعدادهما فريق من جامعة السلطان قابوس، ان نسبة توظيف الخريجين انخفضت من «44.7 %» في عام 2015، الى نسبة «24.8 %» في عام 2017م، كما اشارت الدراسة المذكورة إلى أن الانخفاض في نسبة توظيف الخريجين ليس راجعا الى عامل انخفاض اسعار النفط فحسب، لأنها كانت ضعيفة ايضا قبل الانخفاض. النتائج المذكورة تحتاج الى دراسة متأنية من المركزالوطني للتشغيل. ربما أن طبيعة القطاع الخاص في وضعه الراهن، والذي هو في أكثريته قطاع غير انتاجي بقدر ما هو خدمي، والذي يعكس طبيعة الاقتصاد السائد والمعتمد أساسا على الانفاق الحكومي، ليس بحاجة الى كفاءات أعلى من تلك التي يحصلها من الحاصلين على شهادة الدبلوم العام «الثانوية العامة» فما دون، وربما أن عناصر اخرى قد تكون مسؤولة ايضا مثل عدم موائمة بعض تخصصات الخريجين أو خبراتهم، مع ما يحتاجه القطاع الخاص في مرحلته الراهنة.

قد تكون هناك ايضا اسباب اخرى تلعب دورا، مثل الشروط المرتبطة بالحدود الأدنى للرواتب التي يجب تقديمها للخريجين بغض النظر عن خبراتهم وتخصصاتهم ومواظبتهم على العمل او إنتاجيتهم، تلك الرواتب التي تعتبر من وجهة نظر الشركات مرتفعة وتؤثر على تنافسيتها في السوق، إضافة إلى الزيادة السنوية الإلزامية في الرواتب سنويا، وبغض النظر عن كفاءة الموظف من عدمها، او أن تخصصاتهم غير مرغوبة او انهم يفتقدون الخبرات الكافية او يفتقدون اخلاقيات العمل، أو موجودين في مناطق تفتقد الى توليد الوظائف.

٣-تشير الإحصائيات إلى ان اعداد المتخرجين من التعليم العالي خلال الفترة «2016-2020م» سوف يبلغ «111.724» طالبا وطالبة، اي بمتوسط قدره «22.345» طالبا وطالبة سنويا خلال السنوات الخمس. ويبلغ عدد الذكور منهم «38 %»، اي نحو «8491» من الذكور سنويا، مقابل عدد الاناث منهم «62 %»، اي نحو «13845» سنويا من الاناث. هذه الاعداد والنسب تشير الى زيادة نسبة النساء الأكثر تعليما من الذكور. والتقيد تؤدي الى مشاكل اجتماعية متعددة، ولابد للمركز الوطني للتشغيل وبالتنسيق مع الجهات المعنية الاخرى من دراستها. ومن جهة اخرى فإن العديد من الخريجين هم من المناطق المختلفة خارج محافظة مسقط، التي لا تتوفر فيها فرص عمل، كل ذلك سوف يؤدي الى زيادة الباحثين عن عمل من الخريجين والذي قد يؤدي الى مشاكل اجتماعية علينا الانتباه لها ومنذ الان.

واشارت دراسة «مسح الخريجين»ايضاً» بوجود مجموعة من التحديات التي تحد من نسبة زيادة رواد الأعمال مما ادى الى ضعف الرغبة في امتلاك الأعمال، حيث اشارت الدراسة المذكورة، ان نسبة رواد الأعمال من الخريجين ما تزال ضعيفة مقارنة مع أقرانهم في الدول الاخرى، ونسبة رغباتهم في امتلاك عملهم الخاص متدنية كذلك ولا سيما بين الاناث.

وهذا الموضوع يؤثر سلبا على قيام الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تلعب في دول عديدة، ادوارا مهمة لعلاج مشاكل الباحثين عن عمل، كما تساهم في ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وقدرتها على استيعاب أكبر عدد من الباحثين عن عمل بتكلفة اقل. ففي المانيا على سبيل المثال فأنها تستوعب نحو «80 %» من مجموع العمالة الكلية، مع الفارق بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المانيا وعمان والتي هي بالكاد تساهم في استيعاب العمالة الوطنية، مثلما سوف ابينها في مقالة اخرى.

سوف يكون ايضاً مفيدا للمركز الوطني للتشغيل، التنسيق بين الجهات المعنية الاخرى لمعرفة التخصصات الفائضة عن الحاجة وتوجيه الطلبة الى تخصصات أكثر انسجاما مع المتطلبات الحالية، اضافة الى معرفة الأسباب الحقيقية المؤدية الى ضعف توظيف الاناث وتوجيههن الى فروع دراسية أكثر انسجاما مع اوضاعهن ومع احتياجات البلد.

في عمان، كما في عدد من الدول الاخرى، فإن مشاكل الباحثين عن عمل عديدة ومركبة ومتراكمة ومنها ما تسمى ب»البطالة الهيكلية» والتي تعني ان مؤهلات ورغبات وتوقعات الباحثين عن عمل، لا تتناسب مع الوظائف المتوفرة من حيث الخبرات او الأجور أو نوعية العمل، كما تشمل «البطالة الهيكلية» الباحثين الذين يعيشون في مناطق تقل فيها فرص العمل. وهذا واضح من تحليل التوزيع الجغرافي للباحثين عن عمل، حيث تبلغ نسبة الباحثين عن عمل في المناطق خارج محافظة مسقط نحو «87.5 %» من جملة الباحثين عن عمل في نهاية شهر نوفمبر 2018م، مقابل النسبة المرادفة في محافظة مسقط والبالغة نحو «12.5 %». كما تشمل البطالة الهيكلية ما تسمى بالبطالة التقنية، والمقصود منها عدم القدرة على مواكبة التطورات السريعة في الآلات والمعدات الناتجة من تطور العلوم والتقانة.

والتي هي بحاجة إلى مهارات متعددة والتي تحتم تجويد التعليم في كل مراحله، بداً من التعليم الأساسي ومرورًا بالتعليم التقني ووصولا الى التعليم العالي، واعادة التدريب بصورة مستمرة، لكي يتمكن الباحث عن عمل من التكيف السريع مع التقنيات الجديدة، وكل ذلك يؤدي الى زيادة الانتاجية والتي تؤدي الى زيادة الاجور. إضافة إلى ذلك، هناك نوع اخر من البطالة والتي تسمى «بطالة نقصان الطلب» والتي تحدث نتيجة انخفاض النشاط الاقتصادي مما ينجم عنه انخفاض عام في الطلب على العمل.

الاستعداد لإيجاد حلول للمشاكل العديدة التي يواجهها سوق العمل، يتطلب الاستعداد من الآن للمستقبل انطلاقا من الحاضر، وذلك من خلال التفكير الاستباقي الذي يعتمد على الاستفادة من التجارب الفائتة واجراء البحوث والاستشراف العلمي، والتنسيق بين الجهات المختلفة، عبر حوار سريع ومثمر. وكل ذلك يتطلب من المركز الوطني للتشغيل اداء دور فعال وأساسي في توليد الافكار وابتكار الحلول والنماذج القائمة على استشراف المستقبل والدراسات المستقبلية، بما يعزز مسيرة التنمية المستدامة ومستويات الجودة وايجاد حلول جذرية لمشاكل الباحثين عن عمل.

[email protected]

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور