السبت، ٢٣ نوفمبر، ٢٠١٩

مقالات

أطباء السيد سلطان جواسيس الصراع البريطاني الفرنسي في عُمان

الخميس، ٧ نوفمبر، ٢٠١٩ | 08:30

نصر البوسعيدي

«تفاجأ السيد سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي حاكم عُمان أن من شروط المعاهدة مع الإنجليز استبدال طبيبه الخاص الفرنسي المتهم بالتجسس بطبيب بريطاني كشرط أساسي لإكمال الاتفاقية الدولية بينهم»!!

كان التنافس بين أفراد البيت الحاكم في عُمان على أشده وتحديدا بين أبناء مؤسس دولة البوسعيد الإمام أحمد بن سعيد الذي حكم عام 1744م واستطاع أن ينقذ البلاد من شر الفتنة والحرب الأهلية التي قُتل فيها آلاف الضحايا في نهايات الدولة اليعربية نتيجة الصراع على السلطة لسنوات طويلة، وطرد التدخل الفارسي حينما توحد أهل عُمان المخلصين لإنهاء الخصام تحت قيادة واحدة ارتضوا بها، فاستطاع هذا الحاكم توحيد البلاد والقضاء على منافسيه مع دبلوماسية عالية في التعامل مع القوى الاستعمارية التي كانت تهيمن على المنطقة.

ورغم كل ما فعله الإمام أحمد لعُمان إلا انه لم يستطع أن يسيطر على صراع أبنائه من أجل السلطة وخاصة الارتباك الذي احدثه ابنه سلطان بمعاونة شقيقه سيف، والذي في الأخير وبعد أن أثار العديد من المشاكل لاحتلال مسقط نزح إلى جوادر ليستقر فيها بعدما أهداه إياها ناصر خان الأول، حتى مات والده عام 1783م وعاد مرة أخرى للبلاد طامعا في الحكم، رغم أن الأمور كانت بيد شقيقه الإمام سعيد الذي لم يلق قبولا حسنا من العمانيين لسوء إدارته للعديد من القضايا والخلافات والمظاهرات التي قامت ضده، فترك الحكم لابنه حمد عام 1789م والذي استطاع ان ينقل العاصمة من الرستاق لمسقط، ويؤسس دولة قوية اهتم فيها بالتجارة وتنمية قوة الأسطول العماني والتقارب مع جميع القبائل العمانية وإنهاء تمرد أعمامه، مما كان له الأثر الكبير في محبة الأكثرية له، ولكنه لم يدم طويلا، حيث مات مريضا بالجدري وقهرا على حرق سفينته الرحماني عام 1792م، تاركا خلفه حزنا كبيرا وأطماعا لاحت لعمه سلطان الذي استولى على حكم عُمان واستطاع أن يكسب ولاء القبائل في صفه لحنكته وشجاعته وقوته حتى وفاة شقيقه الإمام سعيد بالرستاق.

حينما تولى سلطان السلطة المطلقة في عُمان تلقب بالسيد وترك لقب الإمام الذي كان يرتبط ارتباطا وثيقا بأهل الحل والعقد من كان بيدهم انتخاب حاكم البلاد.

واجه السيد سلطان العديد من المشاكل التي خاضها وتماشى معها بحكمة وحزم في كثير من الأحيان كصراعه ضد الأطماع النجدية في البلاد، فكان لهم بالمرصاد واستطاع مواجهتهم وبتر أطماعهم في عُمان وساحلها المتصالح ما عدا رأس الخيمة والتي تحالف قواسمها مع النجديين ليقفوا جميعهم ضد السيد سلطان.

في المقابل كان الصراع الفرنسي الإنجليزي في أوجه لمحاولة أخذ أكبر حصص من الاتفاقيات والتسهيلات التجارية بالموانئ العمانية وبالتالي السيطرة السياسية لاحتكار هذه العلاقة التنافسية الاستعمارية في المنطقة. كان السيد سلطان ميالا للفرنسيين وقد كان طبيبه الخاص فرنسي الجنسية والذي كان جاسوسا للسلطات الفرنسية واسمه ( موريير ) فكان بلا شك أكثر الجواسيس قربا لحاكم البلاد فهو طبيبه الخاص والقريب جدا من دهاليز الحكم والقرار، وساهم بخلق علاقات ودية أكبر بين السيد والفرنسيين، كما أنه لعب دورا مهما من وجهة نظري حسب أدوار هؤلاء الجواسيس في رصد التحركات البريطانية بمسقط لصالح حكومته بوقت كان التنافس بين الطرفين على أشده.

لم يكن الإنجليز على غفلة من أمرهم بل كانوا يخططون كثيرا من أجل إنهاء وجود هذا الطبيب لأنهم يدركون مدى خطورة تجسسه عليهم وتأثيره على السيد سلطان. في هذا الوقت بدأت العلاقات العمانية الفرنسية تتشكل أكثر خاصة حينما أقامت ( لجنة السلامة الوطنية الفرنسية) قنصلية في مسقط عام 1796م لتفعيل عملياتهم الإستخبارية فكانت أوامر الحكومة الفرنسية للمعنيين كالتالي: «إن قنصلية مسقط إنما أنشئت للتجسس على تحركات الإنجليز...، وكذلك دراسة الطرق التي يمكن أن تُستخدم في حالة غزو فرنسي للشرق».

وبكل الأحوال فشلت مهمتهم في ذلك لعدة أسباب ومنها اعتذار القنصل الفرنسي لنابليون واسمه (بوشامب) لعدم مقدرته على تحقيق مهمة التجسس للصعوبات التي واجهها في مسقط وعدم اقتناعه بتركز أعمالهم فقط في هذا الجانب. في نفس العام أي سنة 1796م بعثت الحكومة البريطانية (جوناثان دنكن) إلى مسقط ليتأكد من عدم انجرار السيد سلطان للفرنسيين خاصة بعدما سرب الجواسيس بأن حاكم عُمان بعث بممثليه إلى الحكومة الفرنسية بموريشيوس من أجل تنمية العلاقات التجارية بين البلدين، فكان جواب السيد بأن هذا غير صحيح وبأن عُمان تلتزم بمعاهدة الصداقة مع بريطانيا للمصالح المشتركة.

حينما وصل نابليون إلى مصر وتمت المعارك فيما بينه وبين الإنجليز، طالبت السلطات البريطانية من السيد سلطان بعدما حققوا النصر على الفرنسيين في معركة أبو قير بمصر، بأن يطرد بشكل لا رجعة فيها طبيبه الفرنسي الذي تتهمه بالتجسس، واستبداله بطبيب بريطاني آخر اسمه ( بوجل ) والذي أصبح كذلك الوكيل السياسي المعتمد للإنجليز في مسقط، وبالتالي تمكنهم من التجسس على السيد سلطان بشكل أكبر وأكثر دقة، ليبرم الطرفان معاهدة عمانية انجليزية عام 1798م، تعهد فيها الطرف العماني بطرد الطبيب الفرنسي وعدم منح الجانب الفرنسي والهولندي أي مراكز تجارية في البلاد، ويستثنى من ذلك عدم منع السفن الفرنسية من التجارة مع عُمان.

وإن نشبت الحرب بين الإنجليز والفرنسيين في المياه الإقليمية العمانية فإن العمانيين سيقفون مع حلفائهم الإنجليز بالمعركة، مع رفض السيد سلطان إقامة وكالة تجارية بريطانية في مسقط وكان ذلك لتجنيب البلاد قدر الإمكان الصراع الفرنسي الإنجليزي لمصالحه التجارية مع الطرفين، ولكنه في المقابل سمح للإنجليز بفتح مركز تجاري في بندر عباس التي كانت تحت السيطرة العمانية مقابل أن تمنح بريطانيا للتجار العمانيين في الهند الماء والأخشاب بالمجان، وأن يتم زيادة كميات حصص الملح لهم في كلكتا، وتعيين مثلما أشرنا الدكتور ( بوجل ) وكيلا سياسيا وطبيبا خاصا للسيد سلطان بن أحمد.

ورغم أن وفاة هذا الطبيب بعد عامين من تعينيه إلا انه كان له دور كبير في رصد الحركات الفرنسية في مسقط والتجسس عليه وتغير أفكاره ضد الفرنسيين.

الجدير بالذكر أن التعيين الرسمي لهذا الطبيب كان في عام 1800م كوكيل سياسي في مسقط، واعتقد ولست جازما بأنه كان موجودا في عُمان قبل هذا التاريخ وتحديدا بعد معاهدة عام 1798 كطبيب خاص للسيد سلطان بعد طرد الطبيب الفرنسي، واستطاع بسبب تجسسه أن يكشف للحكومة البريطانية العلاقات السرية بين عُمان وفرنسا مما أدى إلى احتجاج بريطانيا فيما بعد وتوقيعها معاهدة جديدة أكثر صرامة.

وبشكل عام حاول السيد سلطان بن أحمد أن لا يدخل في صدام مباشر مع الإنجليز من أجل فرنسا وذلك للمصالح التجارية التي يخشى أن تتضرر بما أن بريطانيا تسيطر على الهند وموانئها التجارية، هذه التجارة البحرية التي كانت أساس ثراء الخزينة العمانية بنقل السلع من الهند للخليج وأفريقيا والعكس صحيح.

لذا سمح السيد سلطان لحكومة بومباي (الإنجليزية) بتعيين وكيل لهم في مسقط يشرف على المصالح التجارية البريطانية هناك ويراقب عن كثب التزام السيد سلطان بعدم التسهيل للفرنسيين. وهكذا سارت العلاقات بينهم مثلما تم في المعاهدة حتى انقلب الحال قليلا بتقاعس الإنجليز سياسيا وعسكريا لدعم حليفهم سلطان في دحره للأطماع النجدية والسيطرة على البحرين، مما اضطره لطلب الدعم الفرنسي الذي لم يتوان في إرسال المال والسلاح والأسطول الفرنسي تحت تصرفه و بعث سرا بسفيره لـ ( ماغالون) حاكم جزيرة الرينيون الفرنسية لعقد الاتفاقيات فيما بينهم حيث أشار هذا الحاكم إلى وزير البحرية الفرنسي لأهمية هذه الزيارة فقال :

« إن الهدف السياسي هام جدا ومن المهم لمصلحة هذا الأمير أن يبقيها سرا وأن يطلب صداقة الجمهورية الفرنسية وحمايتها الخاصة، ويبدوا أن لدى الأمير الكثير من الشكوى من كيد الحكومة الإنكليزية».

ووفقا لهذه الأحداث فقد توترت بشكل أكبر العلاقة بين بريطانيا وعُمان نتيجة هذا التقارب مما أدى إلى أن اتخذت الحكومة البريطانية عقوبات ضد السيد سلطان وألغت امتيازات العمانيين في الهند للضغط عليه اقتصاديا وسياسيا، وبالتالي ضعف موارد خزينة البلاد التي كان تعتمد بشكل كبير على النشاط التجاري، ليضطر بعدها الطرف العماني إلى توقيع معاهدة أخرى مع الإنجليز عام 1800م أكثر صرامة لمنع الوجود الفرنسي بشكل قاطع كمنافسين لهم في عُمان مع نشاط الجواسيس الفرنسيين والبريطانيين في مسقط خاصة بعد الصلح بين بريطانيا وفرنسا عام 1802م، مما أدى ذلك لعودة أحلام نابليون بونابرت بتجديد الصداقة مع سلطان عُمان فأرسل إليه عدة رسائل وبدأت العلاقات الودية التجارية تأخذ مجراها الطبيعي بهدوء وحذر.

وما أن عادت الحرب البريطانية الفرنسية، توترت العلاقة مرة أخرى بين فرنسا وعُمان وحاول نابليون التأكيد على استمراريتها فبعث الوفد الفرنسي إلى مسقط بقيادة ( كافيناك) والذي تفاجأ بعدم رغبة السيد سلطان في استقبالهم لعدة اعتبارات سياسية ودبلوماسية، ليرسل لهم ممثله الخاص السيد خلفان بن محمد البوسعيدي ( الوكيل) لاستقبال الوفد الفرنسي حتى يشرح لهم بهدوء صعوبة إقامة علاقات تجارية ودبلوماسية بين البلدين وعودة الحرب بين فرنسا وبريطانيا عام 1803م فخاطبهم بالتالي :

« أثناء السلم بينكم وبين بريطانيا كان السلطان يستقبلكم بحفاوة، وأما وقد أعلنت الحرب بينكم فسوف يستاؤون من استقبال سيدي لكم، ونحن لدينا عشرون سفينة كبيرة في موانئهم بالبنغال وساحل مليبار ولا شك انهم سيستولون عليها حالما يعلمون باستقباله إياكم».

وتشير المصادر التاريخية أن الحكومة الفرنسية تفهمت كثيرا الموقف العماني والتزامه ببنود المعاهدة مع خصمهم الإنجليز. ونلاحظ هنا أن السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي منذ أول يوم حكم فيها البلاد حاول جاهدا في أن يوازن بعلاقته مع الدول الاستعمارية المهيمنة بكل قوة في المنطقة، واختار أن يذهب باتجاه الإنجليز في اكثر الأحيان لأن مصلحة عُمان التجارية كانت تتمحور في تلك الموانئ المهمة التي سيطرت عليها بريطانيا خاصة من خلال شركة الهند الشرقية الإنجليزية.

كانت المصالح الأكثر قوة وفعالية لعمان هي البوصلة الحقيقية التي توجه السيد سلطان في علاقاته الدولية، والذي يحسب له تعامله قدر المستطاع بذكاء وحكمة بين الطرفين المتنازعين وفق الظروف المحيطة به والصعوبات التي تعرض لها من أطماع النجديين ومشاكل القواسم وبعض الإشكاليات الداخلية والتحديات الاقتصادية حتى انتهى عهده بمقتله غدرا بعد معركة غير متكافئة مع بعض قطاع الطرق الذين حاصروه مع قلة قليلة من أصحابه بالقرب من رأس الخيمة، حينما كان متوجها لزيارة جزيرة قشم عام 1804م.

لتبدأ فصول أخرى للصراع على السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة يقابلها كذلك تصاعد الصراع الفرنسي الإنجليزي في عُمان وجميع ممتلكاتها حتى وصل الحال أن يصلوا لمحكمة لاهــــاي الدولية للتحكيم فيما بينهم بقضية الأعلام الفرنسية التي كان يستخدمها أهل عُمان في سفنهم من أجل التخلص من سلطة الإنجليز وتفتيشهم!

المراجع :

العلاقات العمانية العراقية عبر التاريخ من سومر وأكد حتى الحرب العالمية الأولى، د.عزيز الحاج، دار الحكمة –لندن، الطبعة الأولى 2003م.

عُمان في عهدي الإمام سعيد والسيد سلطان بن أحمد البوسعيدي، د.صالح بن عامر الخروصي، بيت الغشام للنشر والترجمة – سلطنة عُمان، الطبعة الأولى 2015م.

التنافس البريطاني الفرنسي في عُمان 1888 – 1913م، محمد بن حمد الشعيلي – الطبعة الأولى 2014م، دار الفرقد – دمشق، الناشر: النادي الثقافي – مسقط.

العلاقات العمانية الفرنسية 1715-1905م، د.سلطان بن محمد القاسمي، الطبعة الأولى 1993م.

الدور السياسي والعلمي للوكلاء السياسيين البريطانييـــــن في عُــــمان، 1871 – 1913م، مـــــنذر بن عوض المنذري، الطبعـــــة الأولى 2017م، بيت الغشام للصحافــــة والنشر والإعلان – سلطنة عُمان.

حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور