الأربعاء، ٢٢ يناير، ٢٠٢٠

مقالات

الشركات الحكومية ليست لمنافسة القطاع الخاص

الثلاثاء، ١٠ ديسمبر، ٢٠١٩ | 07:34

علي راشد المطاعني

هناك بعض اللغط أو سوء الفهم في الأوساط الإقتصادية في البلاد بشأن إنشاء شركات حكومية في بعض القطاعات الإقتصادية أو هيكلة بعض القطاعات الموجودة أصلا وتفعيلها بإنشاء شركات وتعزيزها بما يسهم في النهوض بها لتتواكب مع التطورات الإقتصادية في البلاد وفي إضفاء قيمة مضافة لشرايين الاقتصاد ، وكذلك في زيادة القطاعات التي تديرها في الناتج القومي الإجمالي كجزء من سياسات الحكومة لتنويع مصادر الدخل وتقليل الإعتماد على النفط ، ولتغدو هذه أو تلك الشركات كأذرع إستثمارية لتنفيذ استراتيجيات وخطط حكومية في الأصل عبر أنظمة تجارية ممثلة في شركات ، الأمر الذي يعكس سوء الفهم لمتطلبات هذه التوجهات الجديدة في التسريع بخطوات التنويع الاقتصادي .

بداية يجب أن نوضح حقيقة أن السلطنة من الدول القلائل التي تبنت القطاع الخاص من الألف للياء من خلال العديد من التوجهات والخطط والمزايا والتسهيلات اللامحدودة التي يتعين على أرباب هذا القطاع بذل عميق الشكر على هذه الأعطيات ، وعمدت تلك الرعاية لإيجاد كيانات إقتصادية وطنية تجسدت في المراحل الفائتة في الشركات العائلية التي تعمل بكفاءة في العديد من القطاعات الإقتصادية وتشكل دعائم قوية للإقتصاد الوطني في البلاد.

والجانب الآخر أن استراتيجيات الحكومة وخططها الخمسية بل وحتى موازناتها السنوية لا تخلو من تمكين القطاع الخاص ودعمه من خلال المشروعات الإقتصادية الإنمانية أو من خلال النهوض بدوره وتمكينه من أن يضطلع بدور أكبر في الإقتصاد الوطني ، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان .

إن إنشاء شركات حكومية ليس وقفا على السلطنة فهناك العديد من الدول النامية تتبع هذا النهج إلى أن يضطلع القطاع الخاص بدوره في التنمية الإقتصادية ويكون قادرا على الإستثمار في القطاعات طويلة المدى كقطاع السياحة والنفط واللوجستي والطيران وغيره ، وفي بعض الخدمات الإستراتيجية وذات البعد الوطني ، فعلى سبيل المثال‏ الحكومة في بداية السبعينيات والثمانينيات أنشأت شركات في الإتصالات والمطاحن والأسمنت والفنادق والأسماك والنقل الوطني وغيرها من الشركات لتقديم خدمات عامة آنذاك ، ولكن وبعد فترة باعت هذه الشركات أو جزءا منها للقطاع الخاص سواء في إطار برنامج الخصخصة أو بيع الأصوال الحكومية ومازالت تحتفظ ببعض الحصص في الشركات الرئيسة التي لها أبعاد وطنية يتطلب أن تكون للحكومة نصيب الأسد فيها لدواع كثيرة ومعروفة ، والآن ما تقوم به الحكومة ممثلة في عدة جهات هو نفسه ولكن بشكل آخر ولأهداف أخرى ، بعد ان يئست من عدم إستثمار القطاع الخاص في تلك المجالات ، فكان لابد من تسريع خطوات التحول إلى التنويع الاقتصادي وذلك يتطلب إنشاء كيانات إقتصادية وإستثمارية تنهض بهذه المهام . فإنشاء الحكومة لشركات حكومية كان خيارا مقبولا في العديد من القطاعات الإستراتيجية الهامة كالسياحة والنفط والغاز والقطاع اللوجستي والطيران والإتصالات فهي قطاعات تحتاج إلى إمكانيات غير متوفرة في القطاع الخاص الوطني .

بل إن الحكومة سبق وأن أجرت تجارب في الإستثمار للقطاع الخاص في بعض القطاعات الإقتصادية طويلة المدى ، إلا أنها لم تكلل بالنجاح ، فعلى سبيل المثال الطيران العُماني كان شركة مساهمة عامة وتم تأميم الشركة من خلال شراء الحكومة حصص المساهمين فيها بهدف الإرتقاء بهذا الكيان بإعتباره الناقل الوطني ولدعم قطاع السياحة ، فعلت ذلك كغيرها من الدول التي يدار الطيران فيها من قبل الحكومات .

لعل من الأهمية بمكان القول بأن الشركات الحكومية الحالية تمثل أذرعا إستثمارية في القطاعات الإقتصادية مثل النفط والسياحية واللوجستي والطيران وتسعى أيضا لجذب إلاستثمارات للبلاد في هذه المجالات ، على إعتبار أن هذ الشركات لديها ضمانات حكومية عبرها تتعزز الثقة لدى المستثمرين والشركاء الأجانب ، وهو ما يفتقده القطاع الخاص أذ لم ينجح في إستقطاب إستثمارات أجنبية قادرة على إحداث نقلة نوعية في مجالات الإستثمار في البلاد طيلة السنوات الماضية في المجالات الإنتاجية والخدمية ، ومن الطبيعي أن تتحرك الحكومة لمعالجة هذه الجوانب وعدم الإنتظار طويلا إلى أن ينضج القطاع الخاص .

الحكومة لا ترغب في الإحتفاظ بالشركات الحكومية مدى الحياة ، ولكن لفترة من الزمن وإلى أن تأخذ وضعها وتسهم في النهوض بالقطاعات الإقتصادية وتعمل بكفاءة عاليه وتحقق ارباحا ، ثم قد تبيع حصصها من هذه الشركات مثلما فعلت في السابق ، ولعل الإعلان عن طرح شركة النفط العُمانية وأوربك (قيد الإندماج) لبيع جزء منها دليل على أن الحكومة لا تريد الإحتفاظ بالشركات وأنها تنمي هذه الأصوال بهدف تعزيز الإستثمار في القطاعات الإقتصادية وبيعها فيما بعد للقطاع الخاص ، وهذا يؤكد حقيقة أنها تنشئ الشركات لأجل محدد ولأهداف معينة وهذا يعد أمرا طبيعيا في أي دولة ترغب في تسريع عجلة التنويع الإقتصادي .

ان مجالات عمل القطاع الخاص كثيرة ومتنوعة ولا يمكن القول أن الحكومة تنافس القطاع الخاص كما يدعي البعض ولا يجب أن نرسخ هكذا مفاهيم في أدبياتنا ، كما لا يمكننا أن نقارن قطاعنا الخاص مع نظيره في أميركا أو أوروبا ، فقطاعنا يحتاج للكثير من الوقت والتدرج في التحول والإرتقاء ، ولكن الخطوات المتحققة حتى الآن نراها معقولة وجيدة ولايمكن بالتالي تحميله فوق طاقته فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم .

ولا نغفل هنا حقيقة أن الشركات الحكومية إحتضنت الكفاءات الوطنية في العديد من المجالات والتي لم تجد لها موطئ قدم في القطاع الخاص الذي تسيطر عليه القوى العاملة الوافدة في كل المستويات ، على ضوء ذلك لاينبغي علينا الإندهاش عندما نجد أنه وبعد 50 عاما نجد نسبة التعمين في القطاع الخاص لا تزيد عن 13% في حين أن نسبة التعمين في الشركات الحكومية تعدت حاجز الـ 95 % .

بالطبع الشركات الحكومية ليست شركات تنفيذية تقوم بأعمال البناء وغيرها من المهام الميدانية ، فهذه المهام تقوم بها شركات القطاع الخاص ، فالشركات الحكومية من خلال إستثماراتها جلبت أعمالا للقطاع الخاص لم يجلبها بنفسه ، وكذلك أوجدت مشروعات إنمائية كانت بمثابة التعويض على تراجع المشروعات الحكومية التنموية بعض الشئ في السنوات القليلة الفائتة.

نامل أن تصحح هذه المفاهيم المغلوطة والتفاسير غير الدقيقة عن الشركات الحكومية وماهيتها ودورها ومسؤولياتها وما تقدمه من أدوار كبيرة ، إذ تتضح مساهماتها ودورها بشكل جلي.

فيديو

معرض الصور