السبت، ٨ أغسطس، ٢٠٢٠

مقالات

قابوس المعظم.. منذ الطفولة وحتى ليلة الحكم

الخميس، ١٣ فبراير، ٢٠٢٠ | 07:40

نصر البوسعيدي

انتشر الخبر في ربوع القصر بصلالة بقدوم من ينتظره الجميع .. هرعت البشرى للسلطان سعيد بن تيمور بأن السيدة الجليلة حرمه المصون ميزون بنت أحمد المعشنية التي تنتمي لقرية طاقة الساحلية قد انجبت في 18 نوفمبرمن عام 1940م ابنا كالبدر في يوم كان على عُمان وأهلها الخير الذي تستبشر به العائلة المالكة لمستقبل مقبل يحمله حفيد السلاطين مبعوث بركات الدعاء والمحبة لهذه الأرض الطيبة.

كان السلطان سعيد بن تيمور رحمه الله لا يحبذ إلا الأسماء الفريدة التي تليق بسلطان مقبل لا سيما في لحظات تأمله إلى ملامح ابنه الوحيد ونظراته البريئة المحملة بالوقار وهو ينظر للعالم ومن حوله.

كان اسم قابوس هو الاسم الذي خطر على السلطان سعيد بن تيمور والذي بطبيعة الحال كان مطلعا جيدا على تاريخ الأمم والحضارات فنشأته كانت لا تقل بتاتا عن تلك التربية التي خصصها لابنه فيما بعد.

نعم اسمه قابوس هكذا قرر السلطان الاب أن يطلق هذا الاسم على ابنه، فقابوس اسم عربي أصيل يعود لأحد حكام العرب المناذرة القدامى مثلما تذكر بعض المصادر التاريخية، ويعني صاحب الوجه الحسن

ليتفرد به ويعيد هذا الاسم المهيب ويلبسه على ابنه قابوس بن سعيد بن تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان بن الإمام أحمد بن سعيد مؤسس الدولة الحديثة من خلال حكم أبنائه وأحفادهم لعُمان منذ عام 1744م.

منذ طفولته كانت علامات الذكاء تحيط به، مع حرص والده على تربيته بالطريقة المثالية التي اعتاد عليها أبناء الملوك منذ امتداد الحضارة العمانية في تاريخ أسرته العريقة التي تعتبر من أقدم الأسر العربية الحاكمة في شبه الجزيرة العربية.

لقد كان جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه مثالا للابن البار بوالديه، فكان مطيعا لكل أوامر والده خاصة فيما يتعلق بحفظ القرآن والجد والاجتهاد في تحصيل العلم،فكان منذ صغره يتلقى علومه في القصر عن طريق مجموعة من أساتذة ومعلمي المدرسة السعيدية حتى عام 1958م.

هكذا نشأ جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه في كنف اهتمام والده بكل تفاصيل تأهليه للمستقبل، علما وعملا، فكان المتفوق والفارس الشهم وأصبح في سنين عديدة مميزا بذكائه ورزانته وبعده عن ملذات الحياة التي كانت عادة تحيط بأبناء الملوك، فالجدية والصرامة كانت من سمات التربية التي وجدها في قصر أبيه الذي ارسله إلى بريطانيا بعمر الـ 18 عشر عاما ليكمل تعليمه هناك..

تعتبر بريطانيا في العصر الحديث الصديق والحليف الأقدم دوليا لعُمان، وأصبح العديد من الإنجليز بمثابة أصدقاء مقربين من سلاطين عُمان وبعضهم أصبح المستشار الخاص لبعض السلاطين، لذا لا غرابة أن نجد السلطان سعيد بن تيمور يثق تماما بالمدرسة الإنجليزية حضاريا وعسكريا والتي تليق من وجهة نظره بالسلطان المقبل لعمان،

فأوعز إلى أحد أصدقائه المقربين في بريطانيا وهو الأستاذ ( فيليب رومان ) بأن يبقى ابنه قابوس ملازما له ومع عائلته في مدينة ( فيلشام ) يقيم بمنزلهم ويتعلم من خلالهم العادات الإنجليزية المحافظة والعديد من جوانب الحياة التي تختلف كليا عن الحياة في بلاد العرب.

في مدينة ( فيلشام ) كان الانضباط سمة هذا العربي العماني القادم من أقصى شبه الجزيرة العربية، وكان مثار اعجاب معلمه (فيليب رومان) وكل المعنيين بالمسؤولية في تلك المدينة، بل كان السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه حريصا كل الحرص على أن يلازم معلمه في جلسات مجلس ( سافولك البلدي) ليكسب الخبرة الأكبر اتجاه كل ما يتعلق بالعمل الحكومي إداريا في تلك الأنحاء.

ولأنه شغوفا منذ طفولته لإدراك كل شيء، فقد اكتسب الكثير من عادات المجتمع الإنجليزي وأصبح قريبا جدا من ثقافتهم وفنونهم لا سيما الفن الكلاسيكي الذي أصبح من اهتمامات جلالته طيب الله ثراه مع اتقانه بطلاقة الحديث باللغة واللكنة الإنجليزية المعروفة، كما أنه اصبح شغوفا بالفروسية والتصوير الفوتوغرافي وقارئا جيدا للأدب الإنجليزي بمختلف فنونه.

بعد عامين من اقامته في تلك المدينة بمعية أستاذة فيليب رومان، أتت الأوامر من السلطان سعيد بن تيمور إلى الرائد ( ليسلي تشونسي) للإشراف بكل صرامة على ابنه قابوس ريثما يتم تأهيله عسكريا.

كان الرائد ليسلي تشونسي من أشد الإنجليز صرامة وانضباطا، بل كان صديقا مقربا من السلطان سعيد بن تيمور ومستشاره الخاص لسنوات عديدة في مسقط، حتى تقاعده عام 1958م وعودته لبريطانيا، لذا فقد كان الشخص المناسب جدا للإشراف على ابنه قابوس في مرحلة عنفوان الشباب وحياة الغربة تمهيدا لإدخاله كلية ساندهيرست العسكرية العريقة والتي تم انشاؤها عام 1812م في جنوب البلاد، وتختص بتدريب ضباط الجيش البريطاني وغيرهم على قيم الجيش الإنجليزي وبانضباط قاس للغاية.

في عام 1960 م تحديدا انضم جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه ولمدة عامين إلى كلية ساندهيرست العسكرية كضابط متدرب ليتلقى من خلالها كل ما يتعلق بالحياة العسكرية من صرامة وانضباط وقوانين تميز العسكري عن غيره، وأصبح هناك مثار اعجاب الجميع نتيجة التزامه الشديد بكل القيم العسكرية التي جعلته متفوقا عن بقية أقرانه وأصبح يضرب به المثل بتفوقه وجديته حتى بالتفاصيل الصغيرة.

بعد ذلك التحق طيب الله ثراه إلى أعرق الأفواج العسكرية بالجيش البريطاني وتحديدا كتيبة ( البنادق الاسكتلندية) ليمنح من خلالها رتبة ضابط.

لم يكتف السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه بهذا القدر من التدريب وفق توجيهات والده بل ذهب لمدة عام إلى ألمانيا ليكسب خبرة أكبر في تأهيله العسكري حتى نال رتبة ملازم ثان.

اعتقد بعدها السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه أن وقت العودة لعُمان قد حانت بعد كل هذا التدريب العسكري الشاق في إنجلترا وألمانيا، ولكن والده كان له رأي آخر، فقد أمره بالتجوال برفقة الرائد الإنجليزي (ليسلي تشونسي) حول معظم دول العالم وبالأخص دول أوروبا لمدة ثلاثة أشهر ليقترب أكثر من أنظمة الحكم والإدارة في تلك البلدان وتتسع مداركه بشكل أفضل خبرة له ومعرفة تراكمية تضاف إلى رصيده بعدما تشبع من المدرسة الإنجليزية علميا وعسكريا وثقافيا،.

وهنا ومن خلال هذه الجولات المركزة إداريا وعمليا كسب هذا القائد الفذ الكثير من المعارف مستفيدا بكل إيجابية من كل ما يضيف لمعرفته وخبرته من أجل خدمة وطنه عُمان حلمه الأعظم في أن يصبح هذا البلد يوما ما من أعرق وأجمل دول العالم في القارة الآسيوية.

اختتم جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه رحلته حول العالم والمقررة ثلاثة أشهر، ليعود أخيرا إلى وطنه الام عُمان في عام 1964م.

ومنذ طفولته طيب الله ثراه لم يحظ بزيارة مسقط أو غيرها من مدن عُمان إلا في حدود محافظة ظفار، فوالده المقيم لفترات زمنية طويلة في مدينة صلالة فضل بأن لا يرسل ابنه إلى مسقط بل جعله بجانبه حتى بعد أن انتهى من دراسته في بريطانيا وجولته العالمية،فأعاده مباشرة إلى القصر بصلالة، وهناك أمره السلطان سعيد بن تيمور بعدما ضمن التدريب العسكري الصارم والخبرات التراكمية في شخصية ابنه قابوس، بالمكوث في القصر بشكل شبه دائم من أجل تدريسه علوم الفقه والفلك وكل ما يتعلق بتاريخ عُمان وتاريخ الأمم وغيرها، فوفر له مكتبة زاخرة بمختلف أمهات المصادر لا سيما مخطوطات التاريخ العماني وتاريخ الحضارات والعديد من العلوم، كما انه وفر له مجموعة من الأساتذة كل حسب تخصصه لينهل من علومهم ويستفيد من فكرهم وخبراتهم بالإضافة إلى اطلاعه بشكل شبه دائم على الصحف العالمية التي كان والده يحرص كل الحرص على ان تصل لابنه قابوس طيب الله ثراه، ولهذا فلم يكن يظهر لعامة الناس بعد عودته لمدينة صلالة إلا قليلا مع والده السلطان ببعض المناسبات النادرة، حيث وصف طيب الله ثراه حرص أبيه الشديد بتعليمه وتأهيله فقال :

« كان إصرار والدي على دراستي العميقة لديني وتاريخي وثقافة بلدي عظيم الأثر في توسيع قدرتي ووعيي بمسؤوليتي اتجاه شعبي والإنسانية جمعاء، كما انني استفدت من التعليم الغربي وحياتي كجندي».

استمر الوضع هكذا على ما هو عليه منذ عام 1964م وحتى عام 1970 م وجلالة السلطان قابوس يستفيد في كل يوم ويتطلع بكل شغف لخدمة وطنه عُمان الذي كان يعاني كثيرا من الشتات والالم والحرب والفقر والجهل لظروف عديدة ساهمت بشكل كبير في ازدياد الأوضاع سوءا على العمانيين كافة.

وما أن بزغ 23 يوليو المجيد من عام 1970م ، حتى أشرقت فيه شمس الصباح تحمل معها البشرى مرة أخرى لكل أهل عُمان المنتظرين لحكمه ونور بصيرته بفارغ الصبر حتى يخلص البلاد والعباد من ذلك الألم الذي عانى منه الجميع لفترات طويلة من الانقسام.

هكذا كان هو الفجر الصادق مع أعز الرجال وأنقاهم قابوس بن سعيد طيب الله ثراه الذي ما أن تولى أمر عُمان حتى نفض منها كل آثام الخلاف والإنقسام والجهل والمرض واستبدله بحكمة وعبقرية وتسامح بالمحبة والسلام والوئام والوحدة الوطنية والبناء والجد والعمل حتى أصبحت عُمان اليوم قبلة العالم لكل شيء جميل يحمل قبس المعظم قابوس.

انه النبيل المبجل الذي لن يرحل من قلوبنا أبدا .. ففكره ونهجه باق فينا مكملين مسيرة عُمان مثلما أرادها حتى نهاية العالم ..

المرجع:

عمان فجر جديد المواءمة بين الأصالة والمعاصرة، ليندا باباس فانش، ترجمة ناصر بن سعيد الكندي، مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية 2016، سلطنة عمان، مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان.

فيديو

معرض الصور