الجمعة، ٣ أبريل، ٢٠٢٠

مقالات

عالم الكيمياء العماني الذي أصبح حاكما وبطلا ضد المستعمر البرتغالي

الخميس، ١٩ مارس، ٢٠٢٠ | 07:47

نصر البوسعيدي

«بعد صلاة الحرب تعاهد العمانيون مع حاكمهم سلطان بن سيف بأنهم لن يتركوا مسقط إلا وقد اقتحموا قلعتي الجلالي والميراني وتحرير البلاد من المستعمر ولو استشهدوا جميعا في الوقت الذي كان فيه البرتغاليون يتراقصون فرحا بقوة مدافعهم وبنادقهم أمام سيوف أجدادنا»..!

كانت المعارك رغم بسالة العمانيين غير متكافئة أبدا، فالجيش البرتغالي مزود بالبنادق والمدافع أمام أجدادنا الذين كانوا وعبر أسلحتهم التقليدية كالسيوف والرماح والخناجر يحاولون منذ سنوات من النضال تحرير مدن ساحل عُمان وموانئها من الاستعمار البرتغالي الذي لم يتمكن من عُمان إلا حينما أتاها غازيا وهي في حالة انقسام مرير لم يتوحد فيها العمانيون منذ سنوات طويلة نتيجة الفتنة والصراع على الملك.

حينما قدم الجيش البرتغالي إلى سواحل عُمان مارس أفضع وأشنع الجرائم بحق الأبرياء من النساء والأطفال خاصة، فقد كان غزوا صليبيا تفوح منه نتانة التعصبات العرقية والدينية بكل ما تحمله هذه الكلمات من معنى، فارتكبوا المذابح العرقية بحق أهلنا، ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقتلون الأطفال دون أي رحمة في منازلهم برفقة أمهاتهم وعائلاتهم دون أن يردعهم أي أحد.

كان منظر الجرائم بشعا وكان الشهداء لا حول لهم ولا قوة، فلا سلطة حاكمة تحميهم ولا توجد قوى وطنية يستندون إليها فكل المحاولات للنضال والمقاومة كانت بمجموعات غير منظمة مما تسبب في انهيارها في كل مرة أمام المستعمر.

تم هدم المساجد وحرقها وبناء الكنائس خاصة في مدينة مسقط والتي أصبحت المركز الرئيس لهم، وأصبح الأهالي في جميع المدن الساحلية تحت رحمة البرتغاليين وسلطتهم حتى بزغ نور الوحدة في عُمان بقيادة العلماء المصلحين الذين بايعوا الشاب ناصر بن مرشد اليعربي إماما وحاكما للبلاد من أجل السير خلفه بلا شقاق ولا فتن حتى تمكن من توحيد عُمان فعليا بعد 10 سنوات من النضال ضد المتمردين على السلطة المركزية، وما أن تيسرت أغلب الأمور بيد الإمام بعد ذلك العناء الشديد، جهز قواته لمحاربة جيوش البرتغال، واستطاع بفضل شجاعته وقادته العظام من دحر المستعمرين من كل سواحل عُمان ما عدا مسقط لوفاته ولأنها كانت كذلك من أكثر التحصينات الدفاعية صعوبة خاصة ونحن نتحدث عن قلعتي الجلالي والميراني المحاذية لقصر العلم حاليا، مع وضعهم لسلاسل حديدية بين مدخل الجبلين لكي لا تسطيع أي سفينة الدخول للمرفأ دون إذنهم.

وعندما انتشر خبر وفاة الإمام ناصر بن مرشد فجعت البلاد بالحزن الشديد فموحد عُمان الذي استطاع جمع شتات العمانيين لوحدتهم الوطنية قد رحل تاركا تاريخا ناصعا من العمل والنضال.

في الوقت الي كان الجميع يعيش في رهبة حزن الفقد، اتفق العلماء وأهل الحل والعقد بأن يعقدوا البيعة وانتقال السلطة بسلاسة لابن عمه ورفيق دربه سلطان بن سيف اليعربي عالم الكيمياء مثلما تشير بعض المصادر التاريخية ليعاهدوه على اتباعه ومواصلة تطهير البلاد من الغزاة بعد العزاء مباشرة دون أي تراجع.

ويعتبر الإمام سلطان بن سيف رجل العلم والحرب ربيب الإمام ناصر بن مرشد والذي جعله قائده ومستشاره ويعامله دوما بحسبة ابنه، فكان ابن مرشد لا يخاطبه إلا بكلمة ابني العزيز، لذا ولأسباب كثيرة بالإضافة إلى نجاحه في قيادة المعارك الحاسمة ارتأى أهل الحل والعقد بأن يجعلوا أمر عُمان له لصفاته الشخصية التي تتميز بالقوة والحزم والحكمة والشجاعة.

بدأت هجمات العمانيين على مسقط بقيادة الإمام سلطان تتوالى ولكن بعد أشهر من الحروب لم تحسم المعركة نتيجة قوة التحصينات البرتغالية والعتاد العسكري المتقدم أنذاك عن الأسلحة التقليدية العمانية، لذا فإن كفة الصراع كانت تنتهي باستشهاد أعداد كبيرة من العمانيين وهم يحاولون اقتحام الجلالي والميراني وقلعة مطرح بعدما حرروا طوي الرولة وروي، واستمرت الحروب سجالا بين الطرفين ليل نهار خاصة ناحية جبل المكلا والسعالي وحلة العجم والبحارنة، رغم أن العمانيين كانوا كلما يقتربون من القلعتين ينادون البرتغاليين للنزول من القلعة ومبارزتهم مبارزة الرجال والفرسان والشجعان، ولكنهم كانوا أجبن بكثير من هذه المواجهات ولا يردون إلا بضربات الرصاص والمدافع!

أصبح الإمام في حيرة كبيرة من أمره وكان تطور الأسلحة في جيشه شبه معدوم أمام الآلة العسكرية البرتغالية، ومع مرور الأيام بدأ الأمل يتهاوى بين قلوب بعض أصحابه، وبينما هو جالس في معسكره حتى أتاه رجل غريب من بلاد الهند يحمل معه رسالة عاجلة من سيده!

في المعسكر البرتغالي كان هناك العديد من التجار الهنود العاملين تحت إمرة القادة البرتغاليين كونهم المتحكم الأول بالتجارة في ذلك الزمن الذي أسسوا فيها مستعمرات في القارة الهندية للإشراف على خطوط التجارة العالمية آنذاك، ومن ضمن التجار الكبار في مسقط أحد الهنود واسمه (نروتم) وهو على علاقة جيدة جدا مع قائد البرتغاليين واسمه (الفريرة) من كان معروفا بقسوته وجبروته، وما هي إلا أيام من هذه الأحداث حتى لمح هذا القائد ابنة نروتم والتي كانت من جميلات الأرض في زمانها فوقع في غياهب رغباته وأراد الزواج منها، فتقدم لوالدها عن طريق أحد القساوسة وطلب ابنته للزواج!

حاول نروتم أن يجادل ويبعد ابنته من مجرم حرب كهذا متعذرا تارة بصغر سنها، وتارة بسبب اختلاف المعتقدات بين الهندوسية والنصرانية ومن خلالها العادات والتقاليد التي تحد من هذا الزواج، لكن الفريرة بكل غطرسة هدده وأمهله مدة لا تتجاوز الأيام حتى يراجع نفسه ويبلغ ابنته لأنه سيتزوجها رغما عنهما.

هذا الموقف لم يجد فيه هذا التاجر من ينصره ويحمي ابنته من من كان حليفه بالأمس من أجل التجارة والمصالح، فقرر أن يمارس خطة ذكية يتخلص من خلالها من أكبر خطر يهدد مستقبل فلذة كبده، وبدأ من هنا مراسلة الإمام سلطان بن سيف بتلك الرسالة عن طريق مبعوثه سرا يدعوه للسير نحو خطة محكمة يتفقا عليها من أجل اقتحام الجلالي والميراني والقضاء على البرتغاليين.

ما أن قرأ الإمام رسالة نروتم شعر في البداية بنوع من الريبة والتوجس من أن هذه الرسالة معتقدا أنها من ألاعيب البرتغاليين مع جواسيسهم وحلفائهم للإيقاع به، لذا فقد استشار كبار موظفيه وأبقى الرسول معه لأيام حتى يتيقن من صحة الأحداث من خلال الأعين التي رصدها لتأتي له بالأخبار من كل مكان، وبالفعل تيقن بأن خبر الزواج حدث حقيقي امتعض من خلاله نروتم.

أشار كبار مستشاري الإمام سلطان بأن يسير مع نروتم لخطة محكمة ومعدة مسبقا بعلم الطرفين، فتمت المباحثات بينهما عن طريق المراسلات واللقاءات السرية واتفق الجميع على أن يقوم نروتم بخداع قائد البرتغاليين ويخبره بأنه يحتاج لمهلة حتى يصنع أجمل حلي الذهب لابنته ويجلبها من الهند لشرف هذا الزواج، وبنفس الوقت أخبره بأن حاكم عُمان سلطان بن سيف سيهجم عليه في عدة مواقع لاقتحام التحصينات، وكانت حسب الاتفاق تحدث أمام الفريرة حتى أصبح يصدق ويثق بالتاجر الهندي في كل ما يقوله من نصائح لصد العمانيين عدوهما المشترك، فنصحه بتغيير الغذاء والبارود الذي أصبح رطبا مخافة تلفه لكي يستعد جيدا لحصار العمانيين ومعاركهم الطويلة المدى، لذا أتت الأوامر من القائد البرتغالي للسير وفق أوامر نروتم الذي تم إعطاؤه كل الصلاحيات لتنفيذ عملية التغيير.

ووفق الاتفاق المسبق بين الإمام ونروتم فقد اختاروا يوم الأحد من عام 1650م يوما لتنفيذ الهجوم الكاسح على قلعتي الجلالي والميراني، فقد أخذ نروتم كل البارود ومؤونات الغذاء القديمة لغرض استبدالها، فاستبدلها ببارود فاسد خلط معه الخل ليفقد فعاليته، وبنفس الوقت كانت الخطة تقضي أن يهجم العمانيون عليهم وهم مجردين من بارود بنادقهم لتصبح المواجهة رجلا لرجل بالسيوف والأسلحة التقليدية.

حينما حانت لحظة الصفر توجه الإمام سلطان ومن معه للمواجهة الأخيرة بشعار نكون أو الشهادة، وما أن اقتربوا من تلك القلاع حتى هجموا عليها هجمة واحدة بدأوا فيها بحرق البوابات ومحاولة تسلق التحصينات وفتح أبواب القلعتين، وما هي إلا لحظات حتى سقط شهداؤنا تحت طلقات الرصاص المتبقي لدى البرتغاليين الذين ما أن نفد من عندهم البارود أصبحوا عاجزين عن المواجهات الحقيقية في القتال.

وبعد مئات الشهداء استطاع العمانيون اقتحام القلعتين وقتل من فيها إلا الأسرى الذين استسلموا في المواجهات المباشرة بالمعركة لتسمع أصوات الحمد والتكبير تصدح بين جنبات الجلالي والميراني.

وفي نفس الوقت ذهب جزء من جنود الإمام لتحرير قلعة مطرح التي سقطت كذلك بعدما طلب قائدها الاستسلام والرحمة فأمر الإمام سلطان بن سيف بعدم إلحاق الأذى لكل من استسلم وأعطاهم الأمان ليغادروا مع عائلاتهم مسقط دون رجعة.

لم تتبق في معركة تحرير مسقط إلا مشكلة واحدة، فعند مدخل الجلالي والميراني ناحية البحر توجد بارجتان حربيتان للبرتغاليين أهلكتا العمانيين بقصف المدافع المميت، لينبري للإمام القائد الملقب بابن مغيوث التوبي والذي أخذ معه مجموعة من الفدائيين وذهب ليلا بقوارب صغيرة نحو البارجتين ليستطيع أصحابه الفدائيون بعد سقوط العديد منهم قتلى من أن يسيطروا على البارجتين بعد اقتحامهما، وبعض الروايات تشير إلى أن الفدائيين استطاعوا اغراق إحدى البارجتين والاستيلاء على الأخرى ليتم القضاء نهائيا ورسميا على الاستعمار البرتغالي في عُمان قاطبة.

ولا ريب بأن تحرير مسقط كان أكبر هزيمة مدوية للبرتغاليين الذين حاولوا كثيرا استرجاعها ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، فالإمام سلطان لم يكتف منهم في مسقط وعمان والخليج العربي الذي يدين بالفضل لأهل عمان في تخليصهم من أكثر المستعمرين وحشية في العصر الحديث، بل ذهب إليهم بالأساطيل العمانية التي طورها بعدما استولى على البارجة البرتغالية الآنفة الذكر وأمر العمانيين ببناء السفن الحربية على نفس الطراز البرتغالي فنيا لمجابهتهم بالهند وأفريقيا، فتم للعمانيين انتصارات عظيمة خارج الحدود بقيادة هذا الإمام الذي بنى قلعة نزوى من غنائم معاركه ضدهم في المحيط الهندي حتى وفاته مخلدا اسمه في أنصع صفحات تاريخ عُمان عزة وكرامة، تاركا عُمان قوية ليكمل ابنه بلعرب ومن بعده سيف قيد الأرض الذي طهر القارة الأفريقية بأكملها من البرتغاليين ويعيد إلى أهلها السلام المفقود لعقود.

المرجع: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ج2، تأليف حميد بن رزيق بن بخيت النخلي العماني، تحقيق أ.دمحمد حبيب صالح – د.محمود بن مبارك السليمي، الطبعة السادسة 2016م، وزارة التراث والثقافة – سلطنة عُمان.

فيديو

معرض الصور