الثلاثاء، ٢ يونيو، ٢٠٢٠

مقالات

إدارة الحكومات لأزمة كورونا

الأحد، ٥ أبريل، ٢٠٢٠ | 17:45

د. محمد بن عوض المشيخي

أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

وضعت جائحة كورونا العالم في خدنق واحد ضد هذا العدو الخفي الذي لا يرى بالعين المجردة، فتوحد أعداء الأمس ضد هذا المرض الخطير الذي لا يستثني أحدا في هذا الكون. فهذه الصين وروسيا تتسابقان لتزويد أميركا بالمعدات الطبية لتمكين هذه الدولة العظمى من مواجهة كورونا كوفيد19، إذ بلغ عدد المصابين بالفيروس في هذا البلد أكثر من 300 ألف مصاب، ثمانية الاف مُتوفَى، بينما يبلغ عدد المصابين في العالم أكثر من مليون ومائتين ألف إنسان، و 70 ألف ضحية لهذا الوباء. لقد كشفت هذه الأزمة التي تعصف بالعالم منذ يناير الفائت عن عوار بيّن لدى حكومات الدول الكبرى، خاصة أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة هذا الوباء الخطير مما جعل هذه الدول تستجدي وتطلب العون، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضحايا فيروس كورونا المتجدد في هذه الدول الغنية. وبينما تطالعنا وسائل الإعلام بأرقام قياسية لأعداد المصابين والوفيات في إيطاليا جاءت تدخلات الاتحاد الأوروبي لمساعدة إيطاليا وغيرها من الدول الموبوءة متواضعة ولا ترقى إلى مستوى الحدث.

الأمر الذي دعى جموعًا من المواطنين في هذا البلد الجريح ، إلى إنزال علم الاتحاد الأوربي من بعض المؤسسات الرسمية والأهلية، واستبداله بالعلم الصيني في خطوة رمزية لها دلالتها الهامة حول مستقبل الوحدة الأوربية في مقبل الأيام، ويعبر هذا الإجراء الشعبي عن مشاعر الإحباط والتذمر من الحلفاء الأوربيين الذين أداروا ظهورهم لهذه الدولة المنكوبة التي تعد عضوا مؤسسا في الاتحاد الأوروبي، بينما أرسلت الصين الأطباء والأدوية، وأجهزة التنفس والكمامات والقفازات إلى المستشفيات الإيطالية، وكذلك إلى جمهورية صربيا التي قبّل رئيسها العلم الصيني عند وصول الأطباء الصينين إلى مطار بلجراد. أما في اسبانيا، الدولة الأوربية الثانية من حيث الإصابات والضحايا من وباء كورونا، فقد فتحت أبوابها للأطباء الكوبيين لمساعدتها لمواجهة هذه الأزمة الإنسانية. في الوقت الذي أغلق الشقيقان الكبيران في القارة العجوز فرنسا وألمانيا حدودهما وامتنعا عن تقديم ما يلزم من المساعدات للجيران والشركاء. ولعل في أوروبا من يتذكر في هذه الأيام العصيبة القادة العظام الذين اشتهروا بحنكتهم وقدرتهم على إدارة الأزمات، أمثال (ديجول، وتشرشل، وتيتو) فلم تعد أوروبا كما كانت في القرن الماضي تقود العالم وتسيطر على مفاصل صنع القرار شرقا وغربا.

وهكذا اتجهت أنظار المؤرخين والمفكرين إلى تدوين ومراقبة هذه اللحظات التاريخية التي قد توحي ببداية إعادة تشكيل جديد لمراكز القوى الدولية، وإذا عدنا إلى تاريخنا العربي الحضاري نجد أن ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع قد أشار إلى هذه التحولات في ما كتبه حول انهيار الإمبراطوريات واضمحلال الدول، بسبب الأزمات أو ما يعرف بانقضاء أيام الرخاء والرفاهية في أوساط الشعوب والأمم وكذلك بسبب استبداد الحكام وتهورهم بعد وصول دولهم إلى قمة التفوق العسكري والاقتصادي والثقافي، مما يترتب على ذلك ظهور دول وقيادات جديدة على أنقاض الدول والقيادات المنهارة.

وبالعودة لما يحدث هذه الأيام فالعالم لم يعد كما كان قبل تفشي جائحة كورونا، إذ انتهزت الصين الفرصة التي كانت تنتظرها منذ عقود لتقود العالم وتزيح أوروبا وأميركا عن الصدارة في مجال الريادة الاقتصادية على أقل تقدير، فهذا العملاق الذي يختزن 18% من سكان كوكب الأرض، قد لا يكون في متناوله إزاحة أمريكا وروسيا عسكريا خلال السنوات القلية القادمة، ولكنها مسألة وقت لا أكثر. فالقيادة الصينية الفولاذية، المتمثلة في جناحين عنيدين هما الحزب الشيوعي الذي يقود البلاد منذ منتصف القرن المنصرم بمركزية مطلقة، والرئيس (شي جين بينج) الذي يعد واحدا من القيادات التاريخية في الصين يعيشان حاليا نشوة انتصارهما على المرض وتعافي الاقتصاد. فقد تعافت مدينة(ووهان) عاصمة مقاطعة هوبي مركز تفشي الفيروس و فتحت المصانع أبوابها للإنتاج والعمل تدريجيا ، وكذلك كل المقاطعات التي كان سكانها تحت الحجر المنزلي خلال الشهرين الماضين. أما على الجانب الغربي من الأطلسي تدخل الولايات المتحدة أزمة اقتصادية طاحنة قد تقودها إلى ركود وربما لكساد مدمر. ففي بداية هذا الشهر الجاري، وخلال عدة أيام فقط، خسر أكثر من عشرة ملايين أميركي وظائفهم، وأصبحوا عالة على الحكومة الفدرالية، إذ بدأ هؤلاء العاطلون يتقدمون بطلب المعونة لكي يتمكنوا من مواجهة الظروف المعيشية الصعبة التي تواجه المجتمع الأمريكي. أما أوروبيا، فالأوضاع أكثر قتامة حيث أجمع رؤساء الحكومات على أن الأسوأ لم يأتِ بعد، فالأزمة قد تطول لعدة أشهر مما يعني استمرار إغلاق المصانع والشركات، والمؤسسات التعليمية أبوابها إلى إشعار آخر .

وعالميا هناك من يتهم الحكومة الصينية وخاصة كوادر الحزب الشيوعي؛ بإخفاء حقائق هذه الجائحة الانسانية عن المجتمع الدولي وعن منظمة الصحة العالمية، وبالتأكيد لم تخلُ التجربة الصينية من الأخطاء، لعل أبرزها ما حدث للطبيب (لي وين ليانج) الذي كان أول من اكتشف وجود الفيروس نهاية العام الفائت، بعدما رصد 7 حالات بمستشفى (ووهان المركزي) مصابة بفيروس شبيه بفيروس (سارس) فقد منعته السلطات المحلية الصينية من الكشف عن المرض، متهمة إياه بترويج الشائعات، بل تم تهديده بالسجن في حال استمراره في الحديث عن هذا المرض، خاصة وأن الطبيب أخذ يحذر الناس من الفيروس الجديد. وقد ساهم هذا التكتم من قبل الحزب الشيوعي في المقاطعة إلى انتشار فيروس كورونا المتجدد مما حصد الآلاف من الصينين ومن ضمن هؤلاء الضحايا الطبيب نفسه، الذي حذر المجتمع وزملاءه الأطباء من خطورة تفشي الوباء على نطاق واسع. لقد تحول (لي وين ليانج) إلى بطل قومي في الصين والعالم بعد وفاته، وذلك في أعقاب نشر قصته في وسائل الإعلام العالمية، مثل ال (BBC)، والصحف الأمريكية الكبرى، وخاصة بعد تضامن رواد وسائل التواصل الاجتماعي في أرجاء الصين مع الطبيب الذي ضحى بحياته من أجل إنقاذ البشرية من هذه الجائحة.

وعلى صعيدنا المحلي تقتضي المرحلة المقبلة الاستفادة من الدروس والتجارب التي مر بها الآخرون.

ولعل من أهمها العزل والتباعد الاجتماعي الذي ثبتت فعاليته في الصين وفي غيرها من الدول، وكذلك الحجر الصحي المؤسسي الذي أنقذ أرواح الملايين من تفشي الوباء، بينما ظهر أن الحجر المنزلي للمصابين أو المشتبه بهم غير مجدٍ وثبت فشله في كثير من الدول؛ وخير مثال على ذلك المواطن الأردني الذ عاد من اليونان مؤخرا وكان يحمل الفيروس وطلبت منه السلطات الأردنية الالتزام بالحجر المنزلي مما نقل المرض إلى 7 من أفراد عائلته.

وعليه فإن تعزيز أعداد مراكز إيواء الحجر المؤسسي في كافة محافظات السلطنة يعد أمرًا بالغ الأهمية.

وختاما نتضرع إلى الله العلي القدير أن يرفع عن بلادنا وعن البشرية جمعاء هذا الوباء، وأن يُوفَق الباحثون إلى اكتشاف العلاج المناسب له في القريب العاجل.

فيديو

معرض الصور