الأربعاء، ١٢ أغسطس، ٢٠٢٠

مقالات

العصر الإسلامي وفن علم الدبلوماسية /3

الأحد، ٥ يوليو، ٢٠٢٠ | 16:29

سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق

يعتبر العصر الإسلامي وعلى مدى مراحله المتعددة شمس نورت الطريق لكل البشرية من حيث التعاليم السماوية الراقية في تمدن الحياة وأنتقالها من العصور الجاهلية السوداء في كل شي الى قمة الحياة المبنية على العدل والمساواة والمحبة والآخاء والأنفتاح على العالم بقلب واسع يشع بالخير وحب الجميع وعند بزوغ رسالة الاسلام الشريفة على يد خاتم المرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام الذي بشر بمبادئ الدين الحنيف وأرسى دعائم المدنية العصرية في كل شي ومنها فنون الدبلوماسية. نتطرق اليوم في مقالنا المتواضع هذا عن أتيكيت نظام الأسبقية في استقبال الضيوف سواء الرسمية أو الأجتماعية . كان العصر الإسلامي زاخر بهذا الفن وهو أتيكيت وبروتوكول الأسبقية مع مختلف شرائح المجتمع لغرض نشر عناصرالمدنية الحديثة بفن الدبلوماسية وليعلم عموم البشرية أوليات الأسبقية. يعتبر الرسول الكريم هو القدوة بكل شي وبلا منازع في أرساء مقومات ونظريات وأسس الأسبقية. وكان صلى الله عليه وسلم يحث المجتمع الإسلامي ويضع اللمسات الربانية في الأسبقية وكيفية التعامل مع شرائح المجتمع سواء في الحياة اليومية العائلية أم في الأنشطة الرسمية والدعوات؛ عن ابن عباس - رضي الله عنهما- "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ....." ، و كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَقَى قَالَ: “ابْدَءُوا بِالْكَبِيرِ، أَوْ بِالأَكَابِرِ “وهذا من الأدب أن يبدأ بالكبير، وليس في الشرب فقط بل في المشي وفي الكلام... وهناك الكبير في السن وهناك الكبير في المرتبة وهناك الكبير في الولاية وهناك الكبير في العلم ولو كان سنه صغيرا، فلهم المكانة والأسبقية في التفضيل والإكرام.

وكان رسولنا الكريم يُعامِل الجميع وخاصَّة أصحابه رضوان الله عليهم معاملةً حسنةً؛ فكان يَخُصّ كُل منهم بِمَحبّةٍ خاصّةٍ وأفضلية في قلبه، وكان يُلقبّهم أحسن الأَلقاب لِيُعزز صفات الأُلفة والمحبّة فيما بينهم؛ فمثلاً كان يَصِف أبا بكرٍ وعمرَ بأنّهما وزيراه، ولقَّب أبا عُبيدة عامر بن الجراح بأمين الأمّة، وَحُذيفة بن اليمان كاتم سرّه وخص الإمام عليّ بالعلم والحكمة حين قال "أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأتِ الباب" .

وحين نتصفح مختلف المدارس الدبلوماسية والمختصصة في فنون علم الدبلوماسية في موضوع الأسبقية على مدى الزمن فأننا نجد بأنها تركز كثيراً على هذه الخصوصية سواء في مقاعد جلوس مجلس الوزراء أو الحكومة أو حتى في ترتيب وقوف السيارات وفي الدخول والخروج بعد إنتهاء النشاط الرسمي لكبار الشخصيات وكذلك أوقات الحضوروالأنصراف في الأعياد الوطنية والأهتمام كثيراً كذلك بعلماء الدين وقادة الجيش في تحديد أماكن جلوسهم وحضورهم المناسبات الرسمية وهناك أبواب كثيرة ومتعددة في أتكيت الاسبقية للحياة اليومية لا مجال لذكرها بهذا المقال المتواضع..

القرآن الكريم تحدَّث عن هذا الموضوع، وتناوله بشيءٍ من التفصيل والعُمق منذ نشوء الدعوة الإسلامية المباركة ؛ فإن الأسبقية من الأساليب التي استخدمها القرآن في كثير من المواضع ، قال تعالى:" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ" ﴿١٦٥ الأنعام) والمعنى في علم المنطق ليس فضلكم في الرزق أو التقوى فقط وإنما في شؤون الحياة عامة ؛ ليجعل الأسبقية لمن هو مجاهد بالحياة بكل إخلاص وتضحية من أجل هدف سامٍ ، لذلك فضله الله سبحانه وتعالى على الجالس الذي لا فائدة له بالمجتمع، قال تعالى:" فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ" (٧٥ طه) وهذا الحافز الرباني ليجعل للبشر عامة ويكافئ الذين يتميزون على أقرانهم بالصفات والأعمال السامية ويكون لهم الأسبقية والمكافأة من رب كريم، وقال تعالى: " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب" (9 الزمر) ليعطي الباري –عزوجل- قمة في الأسبقية والأولوية بين نقيضين واتجاهين متعاكسين ألا وهو الأسبقية للذين يعملون وحتما عملهم مبتدأ بإيمانهم بعملهم وفائدة أنفسهم وعوائلهم ومجتمعهم سواء من الذكور أم الإناث.

وكان الإسلام أول من قدَّر العلماء في كل الاختصاصات وأعطاهم منازلهم التي يستحقونها وفضلهم في الدنيا والآخرة ،وقوله :" يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" )١١ المجادلة)، أما في الحياة الاجتماعية فلقد أعطى الإسلام الأسبقية للوالدين وهم كبار السن وكذلك للمرأة واليتيم والأقرباء ، كل له منزلته واعتباره، دون المساس بالآخرين أو الانتقاص من مكانتهم الاجتماعية ، وهذا قمة في الأسبقية والتقدير والعدالة تبدأ من الوالدين، قال تعالى: "قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَٰى " (٢١٥ البقرة) وقال تعالى :" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا" (36 النساء) وهذا ما تميز به الإسلام من احترام وتقدير وأولوية للجميع ابتداءً من الوالدين / المراة / رفيق السفر/ والجار وغيرهم.

أما المرأة فقد حازت على الأسبقية والاحترام منذ نشأة الإسلام ، قال تعالى :"وعاشروهن بالمعروف" (19 النساء)والمعروف بألأسبقية والأولوية هو التقدير والاحترام ، خاصة حينما نقول بحياتنا اليومية إن هذا الشخص صاحب معروف وفضل علينا أي أنه قد بادر وسبق الجميع ،وبالتالي معاملة المرأة لها الأسبقية في المجتمع استنادًا إلى الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية الكريمة ، ومن أمثلة تكريم المرأة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طرد قبيلة كاملة من أرضها بسبب التعدي على امرأة وعدم إحترامها وهي قصة طويلة لا مجال لسردها ، والأسبقية الإلهية قد أعطت للمرأة، وعلينا الامتثال لهذه الاسبقية والعمل عليها حينما فازت المرأة بهذا السبق العظيم، فتصبح أولَ من أُخبر بالدعوة وأولَ من آمن وأولَ من نصر الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً. وعليه فلها الأولوية والاحترام وكل التقدير منذ النفحة الإلهية لها ، وهذا عين التحرر من الجاهلية وإهمال منزلة المرأة لتكون بدلا عنها الفضيلة والحياء والالتزام ، لذلك علينا تقديمها ومنحها الأولوية والأسبقية في حياتنا ليس بالمشي أمامنا كالغرب فقط وأنما في كل مجالات الحياة المختلفة لكونها هي حجر الأساس للعائلة بعواطفها وأهتمامها وحرصها على كل مفردات الأسرة الكريمة بجانب زوجها ورفيق دربها.

فيديو

معرض الصور