الخميس، ١٦ أغسطس، ٢٠١٨

مقالات

كيف أفلت هذا المعمّر من أمراض معاصرة صارت ملازمة للعراقيين كارتفاع ضغط الدم والسكري

كلكامش بريطاني

الأحد، ١٢ فبراير، ٢٠١٢

عبد الرزاق الربيعي


 
بقلم - عبد الرزاق الربيعي


 
حين قرأت خبر المعمر العراقي الذي نال الجنسية البريطانية بعد أن بلغ 104 من العمر لم يلفت نظري ما في الموقف من لمسة إنسانية، فعندما تمنح دولة جنسيتها لشيخ طاعن في السن لا تنتظر منه سوى مواراة جثمانه في ترابها، أطال الله في عمره، فهذا دليل عطف وتوقير لا نجده في بلدان تسير على شريعة سمحاء تعطف على الصغير وتوقر الكبير لكنها تتردد في منح إقامة لشخص تجاوز السن القانونية وكأنه مادة منتهية الصلاحية!!


ولم يلفت نظري الوضع التراجيدي الذي جعل شيخا يغادر بلدا عاش تحت سمائه 98 عاما بالتمام والكمال ليبدأ رحلة جديدة من حياته بعد أن بلغ من العمر عتيّا وست حبات اضافيات!


لكن الذي استوقفني هو كيف استطاع هذا العراقي أن ينجو من عواصف الموت التي تهب بين ليلة وضحاها على مدى 98 عاما في بلد تراجعت به معدلات أواسط الأعمار الى حدود قصوى بسبب الظروف الاستثنائية الصعبة التي عاشها ويعيشها سكانه فانقرض الشباب خلال سنوات الحرب وكثرت نسبة وفيات الشيوخ والأطفال خلال سنوات الحصار؟


كيف أفلت هذا المعمّر من أمراض معاصرة صارت ملازمة للعراقيين كارتفاع ضغط الدم والسكري ناهيك عن أوبئة النصف الأول من القرن الفائت وفيضانات دجلة في تلك العقود وصراعات الأحزاب الدموية في الخمسينيات والستينيات وتقارير المخبرين السريين و براثن حروب الثمانينيات وحصارات التسعينيات وانتحاريي مابعد 2003 وتفجيراتهم ووووووووو


حين قرأت الخبر دخلت شقيقتي الصغرى الماسنجر لتحمل لي خبرا حزينا قالت لي إن ابن جارننا في مدينة الثورة صلاح الذي يبلغ عامين أختطف خطأ
كيف؟


لأن والده يعمل سائقا في سيارة مدير عام في احدى الوزارات، فشاهد المختطفون السيارة الفارهة فظنوا أنها لوالد الطفل فاختطفوه من حديقة البيت وساوموا والده وبعد أن دفع المبلغ الذي طلبوه، بالدولار عدا ونقدا، سلموه جثة ولده مذبوحا وحين سألهم: لماذا ذبحتموه؟ أجابونا: لأنه ذبحنا بالصراخ والبكاء: بابا ماما!


فاذا استبعدنا الست سنوات الهانئة التي أمضاها شيخنا المعمر ببريطانيا، كيف يمكن لعراقي أن يصمد في وجه عواصف الموت 98 سنة؟


ذات يوم من العام 1990 كنت أسير في شارع الرشيد فمرّ موكب جنائزي، وهو أمر مألوف جدا، لكن غير المألوف أن التوابيت الملفوفة بالعلم العراقي كانت صغيرة لذا طويت تلك الأعلام عدة طيات!


وحين استفسرت علمت أن التوابيت تعود لطلاب مدرسة ابتدائية، كان اسم تلك المدرسة "بلاط الشهداء"، سقط عليها صاروخ أمريكي فقلت لصاحب لي، أسلم الروح فيما بعد:


- يا الهي، بدأ شهداؤنا يصغرون يوما بعد آخر!


في تلك السنوات كنا نشاهد جنائز الشهداء في شوارع بغداد بشكل يومي، مثلما كنا نشاهد اللافتات السود على الحيطان، ولكن أن نشاهد جنائز لشهداء صغار فهذا كان أمرا ملفتا للنظر!


كيف يمكن لعراقي أن يصمد بوجه عواصف الموت 98 سنة؟


ثم عصفت بالبلاد مواسم جديدة للموت


لكن أغربها أن يموت عراقي بعد ولادته بساعة واحدة!


حدث ذلك في مستشفى الحلة فعندما وضعت أم جنينها في مستشفى الحلة العام 2006 طلبوا نقلها إلى جناح آخر وخلال عملية النقل جعل حظ الرضيع العاثر أن يمر قرب الاستعلامات وفي تلك الدقائق فجر انتحاري نفسه في حشد من المرضى فسقط عشرات القتلى وكان من بينهم ذلك الرضيع الذي ولد قبل ساعة من وقوع الحادث ولم يكن يحمل اسما بعد!


فكيف يمكن لعراقي أن يصمد بوجه الموت 98 سنة؟


أمراض غريبة داهمت البلاد وجوع ووو


وطالما رددت قول الشاعر عبدالوهاب البياتي:


"أيتها الأرض التي تعفنت


فيها لحوم الخيل والأطفال والنساء


وجثث الأفكار


أيتها السنابل


هذا أوان الموت والحصاد"


لكن الحياة ابتسمت ابتسامة عريضة لهذا الشيخ ولو بعد قرن إلا قليلا!

 


قاوم الفناء


عندما تمنحه بريطانيا هذا التاج، جنسيتها، ليس لأنه أقام على أرضها ست سنوات فقط، بحسب القوانين السائدة في الدول الأوروبية، بل لأنه قاوم الفناء كأي كلكامش ذلك لأنه صمد بوجه الموت 98 سنة!

اقرأ المزيد

فيديو

معرض الصور