الأحد، ٢٠ أكتوبر، ٢٠١٩

لايف ستايل

"الكوبزا".. آلة تحاول الإفلات من غياهب النسيان

الأربعاء، ١٥ أكتوبر، ٢٠١٤ | 00:00

رومانيا - أ ف ب

يعد فاسيل البالغ من العمر 73 عاما واحدا من أواخر العازفين التقليديين على آلة كوبزا في العالم، الشقيقة الرومانية لآلة العود الشرقية، والتي تكاد تدخل طي النسيان لولا بعض الشغوفين بالموسيقى الذين يحاولون من خلالها إعادة اكتشاف جمال الأنغام القديمة. يقيم فاسيل في قرية باربوي الواقعة في قلب سهل أخضر في الريف الروماني، ويعيش حياة تقليدية في الملبس والمسكن والاهتمام الموسيقي. وعندما يمسك آلة الكوبزا المصنوعة من الخشب قبل ثمانين عاما، والتي تشبه العود بشكلها ومبدأ عملها، تلمع عيناه.. ويقول: أشعر بسعادة كما لو أن روحي تنطلق. ويجلس فاسيل في ظل شجرة تفاح، مع صديقه عازف الكمان ماريان، ويقرع بالريشة أوتار آلته الثمانية.
وفاسيل واحد من العازفين التقليديين في رومانيا، الذين يشتهرون منذ عقود بإحياء الأفراح والأعياد وحتى المناسبات الحزينة كدفن الموتى. ولا يتلقَ هؤلاء العازفون أي نوع من الدروس الموسيقية الأكاديمية، بل إنهم تلقوا معارفهم الموسيقية بالتلقين على يد من سبقوهم في ذلك، جيلا بعد جيل. وهكذا تلقى فاسيل علومه مشافهة من استاذ غجري في القرية، وكان ثمن الدروس التي تعلمها خروفا. وتُثير مواهب هؤلاء الموسيقيين التقليديين اهتمام الخبراء الموسيقيين إضافة إلى سياح من كل أنحاء العالم، وشكّلت ملهما لكثير من الموسيقيين الأوروبيين مثل المؤلف المجري فرانس ليست. ففي زيارة لفرانس ليست "1811-1866" لإحدى العائلات الثرية في رومانيا، خطف عازف على آلة كوبزا اهتمامه، ولا سيما أن العازف تمكّن من إعادة عزف أنغام سبق أن ارتجلها فرانس ليست. في القرن التاسع عشر، كان كثير من العازفين التقليديين من الغجر، وكانوا يعملون في خدمة عائلات ثرية في المدن، ثم انتقل كثير منهم إلى الأرياف. ويقول فلوران يوردان المتخصص في تاريخ موسيقى الشعوب إن "الكوبزا كانت حاضرة في كل ثقافة القرن التاسع عشر في رومانيا بحيث يستحيل تصور تلك الحقبة من دون هذه الآلة". لكن الأمر تغيّر بعد ذلك.
وتقول سبيرانتا رادولسكو الخبيرة في موسيقى الشعوب "في الحقبة بين الحربين العالميتين في القرن العشرين، بدأت هذه الآلة تنحسر لتأخذ آلات أخرى مكانها.. منها الأكورديون". وتضيف: حين بدأت عملي، كنت أصادف الكثير من عازفي الكوبزا، لكن معظمهم ماتوا الآن ولم يأخذ أحد مكانهم. وينذر هذا التوجه بان تصبح هذه الآلة في قابل السنوات أثرا بعد عين، وأن لا تعود حاضرة إلا في كتب التاريخ والمتاحف. وبدأ الاضرار بهذه الآلة في الحقبة الشيوعية التي أرست معاهد موسيقية لا تعترف بالارتجال وتفرض العزف الجاف والأداء المنمط، فتأثرت هذه الآلة بشكل سلبي، وكذلك كل التراث الموسيقي المعتمد على الارتجال والحرية. لكن تيارا "إحيائيا" يُعيد اكتشاف هذه الآلة، على غرار فلورين يوردان وزوجته بياتريس، وهما موسيقيان في العقد الثالث من العمر، إضافة إلى ثلاثة أصدقاء آخرين. وهم يعملون في مجموعة تحاول إحياء التراث الذي أتت عليه الحقبة الشيوعية وتطور الآلات الكهربائية والميل الموسيقي التجاري. ويقول فلورين "هذه الآلة تنم عن غنى موسيقي كبير جدا". وهو يأمل في أن تحافظ الموسيقى الحديثة المعاصرة على صلتها مع الموسيقى التقليدية. ويشاركه الهاجس نفسه بوجدان سيميون الطالب الشاب الذي تعلم العزف على الكوبزا، ومن ثم بدأ ينظم ورشات لتعليم العزف على هذه الآلة للشباب، وبات يُحيي حفلات للموسيقى البديلة. ويقول المتحمسون لهذه الآلة إنه لا يمكن الحديث عن حاضر أو مستقبل موسيقي دون البناء على الماضي، والاطلاع على كنوز الماضي التي تتيح آلة الكوبزا التعرف عليها.


حقوق النشر والتوزيع محفوظة لجريدة الشبيبة والنقل عنها دون الإشارة إليها كمصدر يعد مخالفة قانونية

فيديو

معرض الصور