السبت، ٣٠ مايو، ٢٠٢٠

لايف ستايل

السودان وشياطين الجن!!

الاثنين، ١٣ فبراير، ٢٠١٢ | 00:00

 
"إن انتهاء الصراع في جنوب وغرب السودان سوف يفقد الحكم الفزاعة التي يخيف بها الشعب السوداني، ولذلك فإنه يحرص على استمرار النزاعات التي أرهقت السودان على مدى عقدين من الزمن."
 
د. حسني نصر 
 
 

رغم استمرار سخونة الأوضاع في مصر.. واستمرار تزايد الضغوط الغربية والعربية على سوريا بعد الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن، واستمرار الصراع السياسي في اليمن رغم مغادرة علي عبد الله صالح، إلا إنني توقفت كثيرا هذا الأسبوع أمام السودان وما يجرى فيه، وتحديدا أمام النشاط المتزايد للرئيس عمر حسن البشير. فعلى الصعيد السياسي احتفل الرئيس في الأسبوع الأخير من يناير الفائت بمقتل عدوه اللدود خليل إبراهيم، زعيم حركة العدل والمساواة، إحدى أبرز الحركات التي تقاتل القوات الحكومية في إقليم دارفور، مما مهد له الطريق للاحتفال مع د. التيجاني السيسي رئيس السلطة الإقليمية لدارفور ورئيس حركة التحرير والعدالة بافتتاح السلطة الانتقالية في دارفور. وعلى الصعيد الاقتصادي فقد حصل على عطية مالية قطرية كبيرة، سواء كانت منحة أو قرضا حسنا، بلغت بليوني دولار تحت بند دعم الاحتياطي النقدي للبنك المركزي السوداني وتنمية ولايات دارفور، ربما لتفضيله الدوحة على العواصم العربية والأفريقية الأكبر لتكون مكانا لعقد اتفاقية السلام في دارفور. أما على الصعيد الإعلامي فقد تجلى الرئيس في مقابلة تلفزيونية بثها التلفزيون الرسمي، ثم في الخطاب الجماهيري الذي القاه أمام حشد كبير في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور أثناء الاحتفال بتدشين السلطة الانتقالية في دارفور.


ما يهمني- كباحث في الإعلام السياسي- هو التوقف أمام بعض ما ورد على لسان الرئيس سواء في المقابلة التليفزيونية أو في الخطاب المذكور، مع التذكير بأنه لا زال مطاردا من المحكمة الجنائية الدولية والمنظمات الحقوقية الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في دارفور التي كان يحتفل فيها الأسبوع الفائت. هذا التوقف أمام كلمات البشير لا يعني إعجابي بها، ولا استهدف من وراء ذلك إعادة الترويج لما قاله، بقدر ما يعني إخضاعها للتحليل الإعلامي والسياسي، واستشراف نتائجها التي أراها سلبية علي السودان، كونها من الممكن أن تفتح أمام الدولة التي أنهكتها الحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية جبهات جديدة للصراع في الداخل والخارج، رغم أن جبهة دارفور لم تغلق بعد.


ويبدو من المهم قبل تناول أهم هذه التصريحات أن نشير إلى ضرورة فهم السياق العام الذي يتحدث فيه الرئيس السوداني. فهو رئيس دولة عربية كبيرة، وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري على الحكم الديمقراطي، ويحكم البلاد منذ 21 عاما تقريبا، عانت خلالها السودان من حربين أهليتين في الجنوب وانتهت بانتزاع الإقليم من الدولة، وفي دارفور وانتهت باتفاق سلام قد لا يصمد طويلا. وقد شاهد البشير بعينيه طوال العام الفائت بشائر الربيع العربي، وما حدث في جيرانه الثلاثة مصر وتونس وليبيا، ويشاهد حاليا ما يجري في اليمن وسوريا، كما أنه الرئيس الوحيد في العالم الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أثناء وجوده في السلطة، في قضية دارفور. في ظل كل هذه المعطيات، وفي ظروف طبيعية كان من المتوقع أن يكون الخطاب الإعلامي والجماهيري لرئيس يعمل في مثل هذا السياق هادئا ومتوازنا وبعيدا كل البعد عن التصعيد والتهديد. فهل فعل الرئيس البشير ذلك؟


الواقع ان ما قاله البشير في الأيام الأخيرة جاء – من وجهة النظر العلمية - مغايرا تماما لما تقضيه الحكمة الإعلامية في مثل هذه الظروف. ويكفي أن نشير هنا إلى ما قاله في حفل يفترض أنه جاء تتويجا لاتفاق سلام طال انتظاره في دارفور. فقد تعهد البشير في الخطاب بأن يخلص دارفور ممن أسماهم "شياطين الجن والإنس"، رغم أنه سبق هذا التهديد بإصدارعفو عن المعتقلين والمحكومين والمطلوبين من «حركة التحرير والعدالة» التي وقّعت اتفاق سلام مع حكومته، ووجه نداء إلى حاملي السلاح في دارفور للانخراط في عملية السلام. فلماذا التهديد في وقت الاحتفال؟ قبلها بأيام كان الرئيس يتحدث إلى التلفزيون الحكومي وبدلا من مد جسور السلام مع دولة جنوب السودان الذي كان له الفضل الأول في انفصالها عن السودان وإعلان استقلالها، بادر الجميع بالتهديد بحرب جديدة بزعم أن الأجواء الحالية بين البلدين "أقرب إلى الحرب منها إلى السلام".


هكذا تحدث البشير في أهم قضيتين تواجههما السودان في دارفور والجنوب رغم وجود اتفاقيتي سلام بشأنهما. يتوقع الحرب مع الجنوب ويدعو إليها ويمهد لها، ويهدد في لحظات الاحتفال باستمرار محاربة شياطين الجن والإنس في دارفور.


السؤال المهم الذي أردنا الإجابة عنه في ضوء هذا التحليل السريع لخطاب الرئيس السوداني هو: لماذا يستخدم البشير هذا الخطاب التعبوي في هذ

فيديو

معرض الصور