x

ما هو الراتب العادل للموظف؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٧/سبتمبر/٢٠٢٠ ٠٩:١١ ص
ما هو الراتب العادل للموظف؟


مسقط - الشبيبة

بقلم : مرتضى بن حسن بن علي 

أصدرت وزارة العمل قرارا يتضمن بتسجيل عقود العمل للقوى العاملة الوطنية إلكترونيًا وبإتفاق الطرفين، وإلغاء الحد الأدنى للرواتب المرتبطة بالشهادة والإكتفاء بالحد الأدنى للراتب والبالغ «٣٢٥» ريال عماني،بغض النظر عن شهادة الباحث عن عمل.

موضوع الحد الادنى للرواتب كان موضع جدل مستمر خلال السنوات الفائتة. فالحد الأدنى هو للأجور وليس للرواتب. وهناك فرق بين الأجر والراتب، ويكون عادة حدا واحدا وليس حدين حسب الشهادة ، كما هو مرتبط عادة بخط الفقر، ولا يوجد في عمان تحديد لخط الفقر، ويقوم بتحديد الحد الادنى للأجر لجان تمثل وزارة الإقتصاد وأرباب العمل والعمال، ويعاد النظر في الحد الادنى كلما دعت الظررف الاقتصادية لذلك، وهو يختلف حتى في داخل نفس البلد من مكان لاخر.

الأجر يدفع بشكل عام على الساعة الواحدة من العمل، ويتم الدفع يوميا أو إسبوعيا حسب ساعات العمل الفعلية للعامل، والتي قد تختلف من يوم وأخر . أما المرتبات فهي تُدفع للموظفين الموقعين على عقود عمل مع الشركة، والراتب هو المقابل المادي الذي يُدفع على فترات زمنية معينة وعادة هي شهرية. والقطاعالخاص يرى بأن الحدود الأدنى للاجور، بالطريقة التي تمت هي: من العوامل التي أثًرت سلبًا على عملية توظيف المواطنين، إضافة إلى العوامل الاخرى، منها فرض نسب تعمين ليست غير واقعية فحسب، بل مستحيلة التحقيق. القطاع الخاص أيضا يرى إن الصعوبة التي يواجهها في تسريح الموظفين غير المنضبطين أو غير المنتجين، وصدور أحكام قضائية في معظمها لصالح الموظفين بإعتبار إن الموظف يشكل الحلقة الاضعف من المعادلة، مما يدفع ببعض الموظفين لاثارة المشاكل عن عمد لكي تقوم الشركة بتسريحهم.

القطاع الخاص أيضا يزعم أن تلك ألاسباب أدت إلى نتائج عكسية نظرا لانخفاض مستويات الإنتاجية، وتدني المهارات وأخلاقيات العمل لدى بعض الموظفين، وصعوبة التخلص من الموظفين غير الجيدين، وأن مستويات الرواتب ترتبط بوظائف مختلفة وسلم وظيفي متدرج بما يتناسب مع المؤهلات والمهارات والخبرات وطبيعة العمل والاداء والصفات الشخصية الاخرى، وأن الرواتب تتعامل عادة مع إنتاجية العامل ورغبته في التعلم وليس مع سجلات الحضور والانصراف، إضافة إلى ضرورة مواكبة الرواتب لمستويات الإنتاجية التي أصبحت الفريضة الغائبة في إقتصادنا، كما إن زيادة الرواتب مع بقاء الانتاجية على حالها او تراجعها تؤدي الى نتائج عكسية وخيمة، مثلما اثبتتها تجارب دول وشركات عديدة، وحتى في الجهاز الوظيفي للدولة أصبح بند الرواتب يشكل عبئا ثقيلا على الخزينة العامة للدولة، بعد آن إرتفع بند الرواتب الاجمالية من ٢،٥ مليار ريال عماني في عام ٢٠١٠م الى ٦،١ مليار ريال عماني في عام ٢٠١٧م، وجزء كبير من المبالغ التي قامت الحكومة بإقتراضها كانت لتمويل الرواتب، اي لتمويل الاستهلاك ، وهو من أخطر الأمور في اية دولة.

وحدة العمل في عمان للانشطة الاقتصادية المختلفة أصبحت أعلى من دول اخرى مماثلة، الأمر الذي أثّر سلبا على القدرة التنافسية للاقتصاد العماني، وعلى قدرته لجذب الإستثمارات وخاصة الخارجية، وذلك لتوليد فرص عمل جديدة ومجدية، كما ان الزيادة في الرواتب من دون دراسات معمقة ، وبدون ان تصاحبها زيادة في الانتاجية، تزيد من أعباء الشركات وقدرتها على التوسع، وتدفع الإقتصاد عموما إلى الوقوع في فخ التضخم المنفلت، و تبدأ العملة الوطنية بفقد قيمتها الشرائية تدريجيا.

ويتحدد الراتب بالعلاقة المتبادلة بين عرض العمل والطلب عليه، وعرض العمل هذا عرض شرائح ومستويات متباينة حسب مستويات التعليم والتأهيل والخبرة والانضباط والمثابرة وأخلاقيات العمل وغيرها من الصفات الشخصية. وهنا تشير بعض الدراسات الإقتصادية أن زيادة الرواتب بنسبة ١٠% بدون زيادة في الإنتاجية تؤدي الى الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين عن طريق إستعمال وسائل تقنية اكثر تطورا، إضافة إلى الاستغناء عن العمالة غير الضرورية، وتحويل بعض الأعمال إلى دول أخرى عن طريق ال on line، عندئذ تزداد الضغوطات لتشغيلهم في القطاع العام، ولا سيما إن العمل في ذلك القطاع مازال يعتبر منتهى الأمل بالنسبة لغالبية الداخلين إلى سوق العمل، إذ أن مفهوم العمل الذي هو عائد عنصر العمل غائب إلى حد كبير في القطاع العام، مثلما يشكل ألأمن الوظيفي عاملا إضافيا للعمل في القطاع العام، علما إن الأمن الوظيفي يصبح وصفة للترهل الوظيفي.

قضية الرواتب في أي إقتصاد مهما كان معدل نموه مرتبط بمثلث حرج، ترتبط أركانه إرتباطا وثيقا بالإنتاجية وألأسعار، وتنتهي قاعدته بالرواتب ورفع الرواتب من دون مقابل إنتاجي، يؤدي ذلك إلى رفع تكلفة السلع والخدمات، ويضطر صاحب العمل على تخفيض تكلفته، وتسريح بعضا من موظفيه، الآمر الذي سيدفع بمزيد من الأشخاص للبحث عن فرص العمل، وعندما يكثر الباحثون عن عمل تقل ضغوطات العاملين للحصول على زيادة في الرواتب، وبالعكس فمع وجود عمالة ماهرة ومدربة ومتعلمة على كل الاصعدة، وقوانين عمل مرنة، وإقتصاد متنام، فإن أصحاب العمل يقومون بتوظيف مزيد من القوى العاملة، فقانون العرض والطلب يساهم على زيادة الرواتب، وبالتأكيد هناك علاقة طردية بين وجود عمالة مدربة ومؤهلة مقرونة بالنمو الاقتصادي وبين نسب التشغيل السائدة.

لعل نقطة البدء الرئيسة لمعالجة ما يراه الموظفون راتبا عادلا او ما يحسبه أصحاب العمل راتبا كافيا لا يمكن ان تتم بمعزل عن إستراتيجيات واضحة ومسارات متكاملة للنمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وإصلاح شامل للأنظمة التعليمية والتدريبية والاجتماعية، ويُقترح في هذا الصدد تبني إسترتيجيات جديدة وواضحة ومتكاملة للنمو المستدام، تتضمن أليات واضحة ومحددة للتشغيل وتوفير فرصا مجدية، كما تتضمن أيضا تحديدا دقيقا لدور شركاء التنمية، خاصة الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في هذا المجال، بحيث تتكامل الادوار، ويلتزم الجميع القيام بالادوار المنوطة لكل طرف في هذه الاستراتيجية، مع الاخذ بعين الاعتبار إن القطاع الخاص سوف يكون المشغل الاساس للتشغيل مستقبلا.

كما ان تحقيق الاصلاح المنشود في سياسة الرواتب وسوق العمل لا يمكن ان يكتمل دون استكمال البنية المؤسسية لسوق العمل، والعلاقة بين العامل وصاحب العمل لا بد ان يكون نتاجا لحوار إجتماعي معمق بين القوى الثلاثة المعنية في المعادلة وهي الحكومة والعمال واصحاب العمل، كما ان تحديد الراتب وتسوية المنازعات العمالية لا يمكن في رأينا ان يتم إلا في اطار هذا الحوار الضروري، الذي يتخذ من رفع الانتاجية منبرا مشتركا تتفق فيه مصالح الموظفين واصحاب العمل بل والمجتمع باسره، ووجود مؤسسات فاعلة لادارة الحوار حول هذه القضايا مهم وضروري قبل ان تتفاقم المشاكل.

عليه، فإن المفهوم السليم لقضية الرواتب يتطلب النظر اليه، ليس من خلال التضخم فقط، وإنما من خلال الالتفات أن الراتب يؤثر ويتأثر بمتغيرات اخرى عديدة، ولابد من اخذها بعين الاعتبار، وفي اعتقادنا ينبغي أن يركز التحليل الصحيح للرواتب على اربعة اشكالات رئيسة: وهي علاقة الرواتب بالنمو والانتاجية والاسعار والتنافسية، وهذه العلاقات متشابكة مع بعضها البعض، و لا يمكن التركيز على واحدة منها دون الاخرى، كما أن التحليل الصحيح ينبغي ان ينطلق من فرضية هامة وهي ان تكامل الاشكاليات وتشابكها في منضومة دائرية واحدة، وان علاج الخلل في الاجزاء لا بد ان يأخذ بعين الاعتبار الأجزاء الاخرى.